المنجي بوسنينة
318
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
الحسن ؛ وكلّ ذلك وقع في عهد المنصور ، أوّل قيام الدولة العباسية ، وهو كاف لأن يبرّر انصرافه عن السياسة ، وعدم استجابته لجمهور الشيعة الذين يرونه أهلا لقيادة المسلمين وتولّي أمورهم ، ويطلبون منه تحرّكا من أجل ذلك ، إذ قد تكوّن له رأي ، أنّ مثل هذه التحرّكات لا تفيد شيئا أمام استبداد الحكام ، ومنعهم الناس من التعبير عن آرائهم في مجال السياسة وشؤون الحكم ، وأخذهم رعاياهم بالتهمة ، واستباحتهم القتل السياسي ، وأمام تخاذل الأنصار الذين كانوا يغرّون ولا ينصرون ، ويتكلّمون ولا يفعلون ، ويبايعون وعند الشدّة يفرّون ، و « إنّ المغرور من يخدع بهم » كما قال الإمام علي كرّم الله وجهه . ومع ذلك ، لم يسلم الإمام جعفر الصادق من تظنّن الحكام ، فقد كان أبو جعفر المنصور العباسي يتصوّر أنّه ناقم على حكم العبّاسيين ، ولذلك كان يتوجّس منه خيفة كلّما رأى الناس ملتفّين حوله ، يقدّرونه ويقتدون به ، وكلّما رأى شيعته يراسلونه ويتصلون به ويقطعون المسافات لزيارته . وجعل عليه عيونا تتجسس عليه وتحصي عليه تحركاته ، ودعاه مرّات إلى مركز حكمه بالعراق ، بعضها لمساءلته واستجوابه ، وبعضها للتودّد إليه . ولم يكن يخفى على الإمام الصادق ما تتضمّن هذه الدعوات من تلويح بالتهديد والوعيد ، ولكنه سار على النهج الذي رسمه لنفسه ، لم تغرّه دعوات الأنصار ، ولم يستفزّه التلويح بالتهديد . على أنّه لا يمكن أن يفسّر موقفه هذا بأنّه كان ينظر إلى حكم الأمويين والعباسيين بعين الرضا ، إذ يكفي انحراف الحكم في هذين العهدين عن هدي النبي وهدي الخلفاء الراشدين بعده ، ليكون موضوع انتقاد العلماء المخلصين وتطلّعهم للإصلاح ومساندتهم للمصلحين ، كما كان شأن التابعي سعيد بن جبير في مساندته لثورة ابن الأشعث ، والإمام أبي حنيفة في مساندته لثورة الإمام زيد ، والإمام مالك في مساندته لثورة محمد النفس الزكية . وهذا من غير النظر في أهلية حكام هذين العهدين لتولّي منصب النيابة عن الرسول في حراسة الدّين وسياسة الدنيا به ، وإلّا فإنّ لأئمّة آل البيت ، ومنهم جعفر الصادق ، ولغيرهم من أئمّة المسلمين ، الحق في أن يروا أنفسهم أكفأ من حكام الأمويين والعباسيين لحكم المسلمين . فموقف الإمام الصادق إذن ، كان لا يخلو من تفسير قد يختلف في تحديده دارسو سيرته . لكن في التاريخ جعل أنصاره والمتشيّعين للحكم العلوي يحملون هذا الموقف على التقية [ القرامطة ، ص 38 ؛ الإمام الصادق ، ص 40 ] . وفي ظلّ هذا التفسير تكونت حول شخصية جعفر الصادق أفكار تقوم على اعتبار إمامته إمامة حكم وسياسة ، وعلى استحقاقه لها ولو لم يخرج داعيا لنفسه ، وأنّه ورثها بوصية من أبيه ، وهو معدود عند من يقول بذلك سادس الأئمّة ، بعد علي والحسن والحسين ، وعلي زين العابدين ، ومحمد الباقر رضي اللّه عنهم ، كلّ واحد أوصى بها لمن بعده . وعلى هذا التسلسل ، يعتبر الشخصية التي يلتقي على الاعتراف بإمامتها مذهب الإسماعيلية ومذهب الإمامية الاثني عشرية وبعض الفرق الشيعية الأخرى ، ويختلفون بعده لمن أوصى بها جعفر من