المنجي بوسنينة
316
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
استقلال نظره فيه . وقد وجّه جهده لتجلية عقيدة الإسلام ، ودفع الشبهات عنها ، خاصّة تلك التي كان الزنادقة يثيرونها ، وكان له معهم في ذلك مناظرات . ويدّعي المعتزلة أنّ أئمّة آل البيت كانوا رؤوس الاعتزال في عصورهم . وربما يكون التوافق الموجود بين آراء مذهبي الامامية والزيدية وآراء المعتزلة في قضايا من علم العقائد ، وثبوت الاتصال بين الإمام زيد عمّ الإمام الصادق وواصل بن عطاء ، وكذلك الاتصال بين الإمام الصادق ورجال الاعتزال ، يزكّي القول بتأثّر المعتزلة بآراء أئمّة آل البيت ، ومنهم الإمام جعفر الصادق ، ويثبت مدى تأثير هذه الشخصية في إثراء الفكر الإسلامي خصوصا ، والفكر الإنساني عموما ، وإن كان يوجد عند التدقيق والمقارنة بين فكر المعتزلة وما ينسب للإمام الصادق فوارق ، ولا يوجد توافق تامّ . ويفترض في إمام الفقه والعقيدة ومعرفة السنن ، أن يكون على دراية عميقة بالقرآن وعلومه ، لأنّه مصدر الإسلام الأوّل ، وحجّته الباقية ، ومنبع معارفه . وكذلك كان الإمام الصادق ، عالما بالتفسير وما يتوقّف عليه من معرفة بناسخ القرآن ومنسوخه ، وعامّه وخاصّه ، ومحكمه ومتشابهه ، ومكّيه ومدنيّه ، ورخصه وعزائمه ، وأسباب نزوله ، ونحو ذلك ممّا قرر هو نفسه وجوب معرفته على كلّ من يتصدّى لتفسير القرآن والاستنباط منه . وقد كان فهم الصادق للقرآن الكريم عميقا ، ما ارتفع به إلى مصافّ حكماء الأمّة ، وعلماء الأخلاق والفضيلة في الإنسانية ، بما كان يصدر عنه من فيض الحكم والوصايا ، التي كان يفيضها على أبنائه ومريديه . وهي تكشف عن دراية عميقة بأغوار النفس البشرية وطبائعها . وكان سلوك الإمام الصادق مظهرا من مظاهر القيم الأخلاقية والفضائل النفسية التي كان يعلّمها . فقد ذكر المتحدّثون عنه أنّه كان مخلصا ، نافذ البصيرة ، قوي الإدراك ، حاضر البديهة ، حصيف الرأي ، جلدا ، صابرا ، سخيا ، حليما ، سمحا ، شجاعا ، قوي الفراسة ، ذا هيبة وجلال ، ورعا ، تقيا ، كثير العبادة والذكر لله تعالى ، متواضعا مع الخلق ، مستجاب الدعوة ، وقد لقّب بالصادق لصدقه في مقالته ومواقفه . حكى عنه الإمام مالك بعض خصاله فقال : « كنت آتي جعفر بن محمّد ، وكان كثير التبسّم ، فإذا ذكر عنده النبي اخضرّ واصفرّ . ولقد اختلفت إليه زمانا ، فما كنت أراه إلّا على إحدى ثلاث خصال : إمّا مصلّيا ، وإمّا صائما ، وإمّا يقرأ القرآن ، وما رأيته قط يحدّث عن رسول اللّه إلّا على طهارة ، ولا يتكلّم فيما لا يعنيه . وكان من العبّاد الزّهّاد الذين يخشون اللّه . وما رأيته إلّا يخرج الوسادة من تحته ويجعلها تحتي » . وممّا يضاف إلى علوم الإمام الصادق ، معرفته بما يعتبر نتيجة لتعمّقه في دراسة القرآن الكريم وتفهّمه ، وهو علم الكونيات ، امتثالا للأمر الإلهي بالنظر والتأمّل في خلق السماوات والأرض . وقد جعل علمه بذلك ، كما تدلّ عليه رسائله المنسوبة إليه عن طريق تلميذه جابر بن حيان ، لإثبات وحدانية اللّه تعالى وحكمته في خلقه . لكن ما يزال الشكّ متطرّقا في صحّة نسبة رسائل ابن حيان في الكيمياء إلى الإمام جعفر الصادق ، فالشيخ صلاح