المنجي بوسنينة

314

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

كانت تدور عليهم الفتوى بها في عصرهم ، وعن طريقهم آل هذا العلم إلى من جاء بعدهم من الفقهاء والمحدّثين . والقاسم هذا ، تربّى في حجر عمّته السيّدة عائشة رضي اللّه عنها ؛ فروى عنها وتفقّه بها . ولا شكّ أنّه اقتبس من علم عليّ رضي اللّه عنه الشيء الكثير ، وذلك عن طريق أبيه محمّد بن أبي بكر ، إذ كان عليّ يعتبره كابنه ، فقد احتضنه بعد أن تزوّج أرملة أبي بكر الصدّيق . والثّابت أيضا أنّ القاسم أخذ عن عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنه . وقد مات القاسم سنة 108 ه / 726 م ، وكان جعفر في الثامنة والعشرين من عمره . وتدلّ طول هذه الصحبة والمعايشة على عمق وثراء استفادة جعفر من جدّه لأمّه . ومن التابعين الذين ذكروا أيضا في مشائخ جعفر مع أبيه وجدّيه ؛ عطاء بن أبي رباح ، وعروة بن الزبير ، ونافع مولى ابن عمر ، وابن شهاب الزهري ، وعكرمة ، ومحمد بن المنكدر ، وعبيد اللّه بن أبي رافع ، وابن أبي مريم . وبذلك يكون الصادق رضي اللّه عنه قد جمع في تحصيله لعلوم الشريعة وفهمها بين مسلكين : الأول أئمّة أهل البيت ، والثاني علماء المدينة المنوّرة من التابعين ، والمسلكان نبعهما واحد ، وهو النبي صلى اللّه عليه وسلم . وفي هذه البيئة ترقّى جعفر الصادق في مدارج العلم والمعرفة ، حتّى بلغ فيهما مرتبة الإمامة ، وتحدّث علماء المسلمين بعلمه وفضله ، وأصبح مقصد طالبي العلم من كلّ الآفاق ، وسارت إليه لذلك الركبان . وقد أخذ عنه وتفقّه به وروى عنه نخبة من أكابر علماء المسلمين في عصره ؛ منهم من طبقة التابعين ، يحيى بن سعيد الأنصاري وهو من أقرانه ، وأيوب السختياني ، وأبان بن تغلب ، وأبو عمر بن العلاء ، ويزيد بن عبد اللّه الهادي وقد مات قبله . ومن الطبقة التالية لهم : - الإمام أبو حنيفة . وقد ذكر مؤرخو الامامية أنّه صحبه عامين . وتوجد رواياته عن الإمام الصادق في كتب أبي يوسف ومحمد بن الحسن . - الإمام مالك بن أنس . وقد اختلف إليه في مجلسه وانتفع من فقهه ورواياته ، ورواياته عنه مذكورة في موطئه . - الأئمّة شعبة بن القاسم ، وسفيان الثوري ، وسفيان بن عيينة ، والقاضي سليمان بن بلال ، وابناه إسماعيل بن جعفر وموسى الكاظم ، وخلق كثير ممن كانوا بالمدينة ، ومن الوافدين عليها ، ومن الذين التقى بهم في العراق لمّا دعي إليها مرّات من قبل الخليفة العباسي . لقد عرف الصادق بغزارة العلم وإمامته في مختلف فنونه التي كانت منتشرة في عصره ؛ فهو إمام في علم الحديث ، وقد كان علماء الحديث في عصره ومن جاء بعدهم يذكرونه بكلّ احترام وتقدير ، ويشهدون بثقته وأمانته وحفظه وصدقه واستقامة رواياته ، وكان الإمام مالك ربما قال : « حدّثني الثقة بعينه جعفر الصادق » . وقال أبو حاتم : « لا يسأل عن مثله » [ تهذيب التهذيب 2 / 104 ؛ ميزان الاعتدال 1 / 414 ] . وقد أخرج له الإمام مسلم في صحيحه ، كما أخرج له أصحاب