المنجي بوسنينة
288
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
والحرام . . . وضع من أجل ذلك رسائل لارشاد الناس مثل « إشارات الطاعة في حكم صلاة الجماعة » ، و « رسالة في صدقة الفطر » ، و « ذخيرة المعاد في فضائل الجهاد » . لكنّه تخلّى عن الطريقة الموروثة في الشرح والتحشية . . . 2 - وطالب علماء المسلمين ألّا يعترضوا على المكتشفات العلميّة المؤكّدة ، التي لا مجال لإنكارها ، حتّى لا يقف الاسلام عائقا في طريق التطوّر العلمي السليم ، أو حتّى لا يكون رادعا لأبنائه عن المشاركة في مواكبة التطوّرات العلميّة . لكن رغم اصطناعه نزعة عقلية هيأته للخوض في المسائل الفلسفيّة والعلميّة ، لمجابهة الفلسفات الجديدة والعلم الحديث ، ولتقرير العقائد الدينيّة بأدلّة عقليّة تناسب الأزمنة الحديثة ، إلّا أنّه ظلّ طيلة حياته محافظا شديد الحذر ، قصده الرئيس مناهضة شبه العلم الحديث والفلسفات المستجدّة بمناهج عقليّة كلاميّة . ويستند منهجه في الفهم إلى ثلاث مقدّمات أساسيّة : الأولى أنّ الأصل في العقائد الإسلاميّة الدليل العقلي القاطع لا الدليل الظنّي ؛ الثانية تضافر الدليل العقلي والدليل الشرعي واستبعاد التقليد في حالة توافرهما ؛ الثالثة أنّ مقصود الشريعة بيان معرفة الله وصفاته وكيفيّة عبادته ، وبيان الأحكام التي توصّل إلى انتظام المعاش وحسن المعاد . أما التعريف بمباحث « العلوم الكونيّة » فليس من مقاصد الشرائع ، وما ورد منه على سبيل الإجمال لأجل أن يكون « دليلا عقليّا للناس على وجود إله العالم وعلى اتّصافه بالعلم والقدرة والحكمة إلى غير ذلك » [ الرسالة الحميديّة ، ص 283 - 289 ؛ الحصون الحميديّة ، ص 100 - 103 ] . قاوم حسين الجسر الفلسفات الحديثة الوافدة إلى العالم الإسلامي من الغرب ، وبخاصّة تلك المرتبطة بالعلم الحديث وبنظريّاته المنحدرة من القرن التاسع عشر وفي مقدّمتها النظريّة النشوئيّة الداروينيّة . وفي كتابيه ، عزم على أمرين أساسيّين : الأوّل التصدّي لهذه الفلسفات ، والثاني بيان أنّ العقائد التي انطوى عليها هذا التوحيد ممّا يبدو لا عقلانيّا - كالمعجزات مثلا - هي ، ابتداء من النظريات العلميّة الحديثة ، جائزة عقلا [ جدعان ، أسس التقدّم ، ص 216 ] . وفي هذا الإطار توسّل الجسر بالمقدّمات العقليّة الصارمة التي استجذبها فلاسفة الإسلام والمتكلّمون المسلمون القدماء عروضا « تقليديّة » رقيقة لأصول الديانة الإسلامية رأى أنّها تصلح للعصر الحديث . بيد أنّ الذي وقف عنده وخصه بعنايته الفائقة هو الخطر الآتي من « الدهريّة » العلميّة القائلة بقدم العالم ، مادّة وحركة ، ومن النظريّة « النشوئية » القائلة بتنازع البقاء والانتخاب الطبيعي ، حيث يذكر « الماديون النشوئيون جملة القضايا الدينية المتعلّقة بالبعث ، والملائكة ، والحقّ ، والسماوات ، والعرش ، والكرسي ، واللوح ، والقلم ، وأمثال ذلك » [ الرسالة الحميدية ، ص 157 ] . وفي رأي الجسر أنّ المبدأ في هذا المذهب هو الاعتقاد بقدم العالم اعتقادا لا يلجىء إلى تقرير وجود إله ، فيكفي إذن لإسقاط المذهب برمّته اللجوء إلى برهان الخلف بالتدليل على صدق القضيّة المناقضة ، أي حدوث المادّة بإحداث إله لها من العدم . وهو ما يفعله الجسر مستندا تارة إلى أرسطو