المنجي بوسنينة

284

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

عيسى بن عبد العزيز النحوي المراكشي حتى وفاته ( ت 607 ه ) ودرس مقدمته النحوية المعروفة ب « الجزولية » وأتقنها ، ولم يفت في عضده موت شيخه الجزولي فأقام بالقاهرة ثلاث سنين يأخذ عن شيوخها ويطلع على مراكزها الثقافية ويدرس فيها ما كان به حاجة إلى دراسته ، حتى أتقن علم النحو والعربية إتقانا تاما فرغب في الرحلة إلى بلاد الشام فدخلها سنة عشر وستمائة والتقى العلامة اللغوي أبا اليمن تاج الدين زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن الكندي ( ت 613 ه ) الذي عرف بمكانته اللغوية والأدبية فتصدّره للتدريس في عدة مدارس بدمشق ، فالتحق أبو نصر الفتح بحلقة درس تاج الدين الكندي وأخذ عنه علوم اللغة والأدب ، ثم واصل رحلته إلى البلاد الشمالية من بلاد الشام فدخل حماة واتصل بالعلامة سيف الدين أبي الحسن علي بن محمد بن سالم التغلبي الآمدي ( ت 631 ه ) أستاذ العلوم العقلية الذي اشتهر عنه تفرّده بالحكمة والمنطق والفلسفة وله مصنفات كثيرة ، فانضوى أبو نصر الفتح تحت لوائه يسمع منه ويأخذ عنه هذه العلوم حتى أحكمها وبرع فيها ، وفاق أقرانه بها حيث أصبح المشار إليه بها في ذلك الوقت . كان أبو نصر الفتح من علماء عصره الأجلاء برع في علوم شتى ، وتميّز في الكثير منها ، وصار له صيت بالمشرق العربي ، ومنزلة رفيعة ، ثم اشتغل في مذهب الشافعي وله جلالة ومكانة متميّزة . وكان دائم الاشتغال ليل نهار . وقد نال إعجاب المعاصرين له والمؤرّخين ، فقد وصفه السيوطي ( ت 911 ه ) بقوله : « كان فقيها فاضلا شافعيا ، أصوليا ، نحويا ، عارفا بالعروض والحكمة والمنطق » ، وأثنى عليه أبو عبد الله محمد المراكشي ( ت 703 ه ) قائلا : « وكان محدثا راوية مكثرا ، متسع السماع صحيحه ، فقيها شافعيا ، شاعرا مجيدا مدح الملوك وحظي لديهم ، وصنف في ما كان ينتحله من العلوم » ، ووصفه شمس الدين الذهبي ( ت 748 ه ) بقوله : « الشافعي ، الأصولي ، وكان من فضلاء زمانه . . . » . وعلى الرغم من نصوص المدح والثناء عليه ، لم نحظ في المصادر التي ترجمت له وأشادت بعلمه وفضله بمن تتلمذ له وأخذ عنه سوى اثنين من الطلبة هما : أبو محمد عيسى بن سليمان بن عبد الله بن عبد الملك الرعيني المالقي الرندي ( ت 632 ه ) مات مبكّرا في سن الكهولة إثر مرض عضال ، وكان محدثا ضابطا متقنا ، قائما على معرفة الرجال ، قدم للإمامة بجامع مالقة فمرض قبل الصلاة فيه بالناس ثم توفّي . ولا ريب أنه سمع من أبي نصر الفتح وأخذ عنه كثيرا من مسموعاته ومروياته ولا سيما في رحلته إلى المشرق العربي في علم الكلام والأصول والمنطق والجدل والخلاف ذاعت شهرتها في عصره وفاقت على مصنفات غيره . وشمس الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن خلّكان ( ت 681 ه ) المؤرّخ المشهور صاحب الكتاب النفيس « وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان » كانت له صلة وثيقة بأبي نصر الفتح ومودة أكيدة في أثناء إقامته بالقاهرة وقد جمعت بينهما رابطة الأدب والشعر ، فقد روى ابن خلكان من شعره وأخذ عنه ، وللأسف الشديد لم يترجم له في كتابه « وفيات الأعيان » . ولمنزلة أبي الفتح العلمية بين علماء عصره ولبراعته في عدة علوم أسندت إليه وظائف