المنجي بوسنينة

242

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

استقر به المقام ، وقد بلغ سن المراهقة ، فأخذ يستكمل تعليمه الذي بدأه على يد والده وبعض أقاربه في سجن امبواز ( فرنسا ) . ولكن محمدا لم يتلق في النهاية تعليما منتظما كما لم يعش حياة هادئة قبل دمشق . فقد تلقى علم التوحيد والحديث والنحو على يد والده ، كما أخذ عن الشيخ مصطفى بن التهامي الذي يمكن أن نسميه معلم أبناء الأسرة القادرية الأسيرة . وكان ابن التهامي من الأدباء والسياسيين والعلماء ، فقد تولى منصب خليفة للأمير عبد القادر على العاصمة معسكر ، وفاوض باسمه بعض زعماء البلاد ( مثل محمد التجاني ) ، وخاض معه الحرب ضد الفرنسيين قبل أن يصبح معلم الأولاد . وكان ابن التهامي قبل كل شيء صهرا للأمير . وفي دمشق عوض محمد من الكتب والمعلمين والمدارس ما افتقده في الجزائر وفرنسا وبروسة ، فقد تلقى دروسا بالجامع الأموي وغيره من المؤسسات العلمية على يد مهاجرين جزائريين وشيوخ سوريين أصبحوا من المقربين لوالده ، وكانت دمشق ( والشام عموما ) تشهد في عقد الخمسينات والستينات عهدا من الانفتاح الحذر نتيجة الحكم المصري بين 1830 - 1840 ، فتأثر محمد بظهور الصحف والأفكار والتنافس الطائفي في المدارس وغيرها . ثم لم يلبث أن شهد حركة الجامعة الإسلامية بزعامة جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده ابتداء من السبعينات ، وقد التقى عدة مرات بالشيخ محمد عبده حين جاء بيروت منفيا بعد ثورة أحمد عرابي باشا وتراسل معه . وفي السبعينات أيضا ظهرت في الشام حركة تدعو إلى ولاية الأمير عبد القادر ملكا على سورية ، ومن زعمائها منح الصلح ، ويوسف كرم ، ثم تطورت هذه الحركة مع غيرها لتصبح حركة قومية عربية شاملة . كان محمد موضع سرّ والده فقد كان ملازما له في معظم تحركاته . رافقه يوم لقاء والده بنابليون الثالث بباريس ويوم استقبله السلطان عبد المجيد في إسطانبول ، ثم عاود السفر معه إلى فرنسا ، كما رافقه في زيارته لمصر ، وحين قصد الأمير أداء فريضة الحج كان يراسل ابنه محمدا بأخبار رحلته في الحجاز ، وبيروت ، والإسكندرية ، والسويس ، والقاهرة ، وجدة ، ومكة . وكان محمد يحضر مجالس والده مع أعيان دمشق والزائرين الأوروبيين ، وأخبر عن نفسه أنه كان يحذو حذو والده ، وقد زار فرنسا وحده سنة 1866 لسبب لا نعرفه ، ولكنه ذكر أنه ذهب إلى مدينة بوردو واستعاد فيها ذكريات أسره . وزار المكان الذي نزل فيه والده . ورغم ذلك فليس هناك ما يدل على أن محمدا كان يحسن الفرنسية ، بل بالعكس من ذلك فإنه عند تأليف كتابه « تحفة الزائر » اعتمد على المترجمات لمعرفة آراء الفرنسيين فيما كتبوه عن والده وعن حربهم في الجزائر . مال محمد إلى الأدب والتاريخ . فكانت له منهما ثقافة واسعة ، وله أسلوب أدبي رشيق . كما اهتم بالقضايا السياسية والدينية والاجتماعية المعاصرة مثل المرأة في الإسلام والأسرة . ويبدو أنه كان يميل أيضا إلى فكرة الجامعة الإسلامية بمفهوم السلطان عبد الحميد الثاني ، ولكنه لم يكن نشيطا فيها . وكان ولاؤه للدولة العثمانية واضحا ، إذ دعا