المنجي بوسنينة
236
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
منها ، ومهاجمتهم بلاد القبائل ، وأخذهم الضوء الأخضر من حكومتهم للقضاء على المقاومة ، وعجز الدولة العثمانية حتى منع باي تونس من التعاون مع الفرنسيين ضد الأمير . ومن جهة أخرى هدد هؤلاء سلطان المغرب إذا حمى الأمير داخل حدوده أو تدخل في شؤون الجزائر . وبعد حرب ضروس مع الأمير احتل الفرنسيون عاصمته ومدنه وحصونه ، فاستعمل الزمالة أو الخيام المتنقلة حيث تجمع أهله ونساء أعوانه وقواده وخزانته ومكتبته ومؤونته وسار بها بعيدا عن أنظار الفرنسيين ، في حين كانت مهاجمة هؤلاء للزمالة لا تنقطع . وقد دام هذا الوضع قرابة أربع سنوات ، أي إلى سنة 1843 حين استولى الفرنسيون على الزمالة نفسها ، فلم يبق مع الأمير غير عائلته وبعض أصحابه المخلصين ، وكان هؤلاء لا يجدون الملجأ إلا داخل الحدود المغربية . وأمام هذا الوضع اليائس شاور الأمير أصحابه في الأمر فاختاروا مفاوضة الفرنسيين على الارتحال إلى الحجاز أو الشام . ورغم أن الفرنسيين قد أعطوا الأمير كلمتهم بالموافقة على لسان الحاكم العام - وهو الدوق دومال ، ابن ملكهم لويس فيليب - فإنهم نقلوا الأمير إلى فرنسا حيث سجنوه خمس سنوات قبل أن يسمح له نابليون الثالث بالانتقال إلى المشرق ، دون السماح له برؤية وطنه من جديد . وقبل الحديث عن الأمير في المشرق دعنا نذكر بعض الملاحظات عن دوره في الجزائر . فقد انحدر الأمير من أسرة حسنية شريفة ترجع إلى أحد أبناء الحسن بن الإمام علي بن أبي طالب . وبهذه العلاقة كانت الأسرة ، وابنها الأمير ، تتمتع بين الناس باحترام خاص . وأضيف إلى النسب أن هذه الأسرة كانت قادرية النزعة الصوفية مما جعلها موضع ثقة الناس في المنطقة ، ولا سيما في عهد الشيخ محيي الدين ، وكان ظهور الأمير بالصفتين ( الشريف والتصوف ) في وقت انحلت فيه عرى الدولة وتفككت فيه الصلة بين القبائل قد أكسبه احتراما لم يحظ به حاكم من قبل في المنطقة . ورغم أن الأمير كان من أهل الريف ، وهو العمق الأكبر للجزائر ، فإن أهل المدن ، كالعاصمة ، وتلمسان ، والمدية ، وقسنطينة ، ومستغانم ، سرعان ما رأوا فيه المخلص لهم من الحكم الأجنبي فانضووا تحت لوائه أيضا . وقد بذل جهدا كبيرا في توحيد البلاد ، متغلبا على النزعات القبلية والطرقية والعائلية ، وغير أسلوب الحكم فاعتمد على العلماء ورجال الدين بدل رجال السيف وقبائل المخزن ، وقطع الصلة بالسلطان العثماني في أول الأمر وربطها بالسلطان المغربي ، وأعطى للدولة مفهوما سلفيا وحديثا في نفس الوقت ، فمن جهة الشرعية واتخاذ قرار الحرب والسلم اعتمد طريقة الخلفاء الراشدين ، ومن جهة بناء الهياكل وإقامة المؤسسات اعتمد النظام الغربي سيما تحديث الصناعة والجيش . ويعتبر الأمير من جهة أخرى باعث الهوية الوطنية والقومية وداعية الجامعة الإسلامية قبل ظهور أهل هذه الأفكار بعدة عقود ، فهو سابق لزمانه في هذا المضمار بالدعوة إلى توحيد الشعب باسم الجهاد واستثارة مشاعره ضد المحتل الأجنبي ، وقد اعتمد في ذلك على