المنجي بوسنينة

235

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

المقاومة ( ثورات ، انتفاضات . . . ) الأخرى لأنها تأسست على رفض الاستسلام وعلى حق الدفاع عن النفس والقيم الحضارية والحرية في وطن مستقل . كما كانت مقاومة الأمير عبد القادر رمزا للمقاومات الأخرى في البلدان المجاورة وحتى النائية للأسباب نفسها . كانت تلك هي خطة الأمير ، فقد ورث أقاليم متباعدة وشاسعة ، وشعبا لا يربطه ببعضه إلا عقيدة الدفاع عن الإسلام بكل تعاليمه وقيمه وثقافته ، لذلك جعل الأمير الأولوية للجهاد لإشباع حماس المواطنين وتجنيدهم إلى جانبه ضد الفرنسيين ، فكان عليه أن يجمع شتات القبائل المتنافرة ، وأن يجري الصلح بين المتخاصمين ، وأن يخضع الذين يرفضون طاعته سواء كانوا من أهل الدين كالطرق الصوفية ، أو من أهل الدنيا كرؤساء العشائر وكبار العائلات المتنفذة وبقايا الإدارة العثمانية . وهكذا استطاع أن يطمح إلى تكوين دولة حديثة تضاهى دولة محمد علي في مصر أو على الأقل دولة سلطان المغرب . ومن أجل هذا الهدف وقع مع الفرنسيين معاهدتين : تعرف باسم الجنرال الفرنسي الذي وقعها ، وهي معاهدة ديميشال ، سنة 1834 ، والثانية تعرف باسم المكان الذي عقدت فيه ، وهي معاهدة التجارة ، سنة 1837 ، وفي كلتا المعاهدتين جرى الاعتراف بالسيادة والحدود ، وحرية التجارة ، وتبادل الأسرى والقناصل . وقد فهم الأمير من مواد المعاهدة الثانية على الخصوص أنها تفتح أمامه المجال لحكم الجزائر كلها ما عدا بعض المدن الساحلية ، بما من ذلك الإقليم الشرقي الذي كان يسيطر عليه الحاج أحمد باشا ، كما امتد بصر الأمير إلى منطقة القبائل وإلى مناطق الجنوب والصحراء . بلغ الأمير أوج سلطانه بين 1837 - 1839 ، وهي فترة السلم مع الفرنسيين . لذلك سارع بوضع أسس الدولة المنشودة بإقامة النظام الإداري والقضائي والعسكري والتعليمي والاقتصادي والدبلوماسي ، فقسم البلاد إلى وحدات إدارية جعل على كل منها « خليفة » ، ونصب القضاة في مختلف الولايات ، وجعل التعليم من أولوياته ، واستعان بالأجانب على إقامة مصانع السلاح وتحديث الجيش ، وأقام العدل بنفسه في عاصمته وأناب عنه فيه خلفاءه في الولايات ، واهتم بالزراعة والتجارة ، وأنشأ جيشا نظاميا سماه الجيش المحمدي ، إلى جانب جيش احتياطي كبير ، وصنف الجيش ووسمه ورتب له رواتب ثابتة . وفي المجال الدبلوماسي فتح المفاوضات مع الدول الأخرى كبريطانيا وأمريكا وإسبانيا . وفي وقت لاحق راسل السلطان العثماني أيضا لأنه كان يعرف أن السلم مع الفرنسيين لن يدوم طويلا فكان يتهيأ بسرعة لتوفير حاجاته اقتصاديا وعسكريا وتحصين نفسه سياسيا ودبلوماسيا . ثم حدث ما كان يتوقعه . ذلك أن الفرنسيين لم يمهلوه . فقد قرأ أفكاره كل من المارشال « فاليه » 1837 - 1841 والمارشال « بوجو » 1841 - 1847 وغيرهما ، وتأكدوا أنهم إذا تركوه فترة أطول في حالة سلام فسيتمكن من الاستقواء عليهم وغلبتهم ، كما أنهم لم يعودوا في حاجة إلى المعاهدات معه بعد احتلالهم قسنطينة وإخراجهم الحاج أحمد