المنجي بوسنينة

234

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

كفالة والده الذي سهر على تربيته وتعليمه إلى أن بلغ مبلغ الرجال ، فكان يهوى المطالعة والفروسية . وقد حج مع والده كما ذكرنا وتزوج بابنة عمه « خيرة » . بينما كانت العلاقات الدولية تأخذ مجراها المتمثل في تحضير فرنسا لغزو الجزائر وصمت بريطانيا وبقية الدول على هذه الفعلة ، لأنها تخرج فرنسا من الساحة الأوروبية وتدفع بجيشها المتحفز للمغامرة ، إلى إفريقيا . لم تكن حكومة الداي الجزائرية قادرة على رد الاعتداء الفرنسي الذي بدأ بالحصار البحري سنة 1827 إثر فشل المفاوضات بين الطرفين على دفع فرنسا مستحقات الديون للجزائر ورفض هذه الاعتذار عن الإهانة التي قيل إن قنصل فرنسا تلقاها من الداي . وهكذا كان على الداي أن يوقع معاهدة استسلام مخزية وأن يغادر الجزائر إلى غير رجعة تاركا العاصمة في قبضة قائد الحملة الفرنسية « الكونت دي بورمون » . وبذلك انفرط عقد الدولة فاستولى الفرنسيون أولا على الإقليم القريب من العاصمة وهو إقليم التيطري ، ثم تفاوضوا مع حاكم الإقليم الغربي ( عاصمته وهران ) لاستسلامه شخصيا وتسليم الإقليم لهم بدون قتال ، بينما استقل حاكم الأقاليم الشرقي ( عاصمته قسنطينة ) وأعلن نفسه « باشا » أي حاكم الجزائر كلها بعد خلع الداي وخروجه من البلاد ، وطلب الباشا الجديد من السلطان العثماني « محمود الثاني » الاعتراف به ممثلا لسيادة الدولة العثمانية في الجزائر . ومن جهتها أحست القوى المحلية من قبائل وعائلات كبيرة وأعيان وطرق صوفية ، أنها في حل من أمرها وغير ملزمة بالولاء لأية جهة تفرض عليها الضرائب ، ولكنها جميعا كانت مستعدة « للجهاد » دفاعا عن الأرض والإسلام . كانت الثقة في العثمانيين قد تزعزعت في الإقليم الغربي ، ربما لأن قادتهم قد تخلوا عن واجباتهم الشرعية وعجز سلطانهم عن تقديم المساعدات لهم في ساعة العسر ، فاتجه قادة الرأي في الإقليم إلى مخاطبة سلطان المغرب لمبايعته على أن يبسط حمايته عليهم ويدفع عنهم غائلة الاحتلال الأجنبي . وقد قام محيي الدين ، باعتباره أبرز الأعيان ومحل ثقة الناس ، بدور كبير في هذا الشأن ، ولكن مساعيه فشلت لعدة أسباب منها التهديد الفرنسي للمغرب إذا تدخل . ولذلك ألح الناس على الشيخ محيي الدين ليقبل البيعة منهم والولاية عليهم بكل ما يلزم ذلك من واجبات شرعية كحفظ النظام وتوفير الأمن والقيام بالجهاد . ولكن محيي الدين اعتذر بكبر سنه وبكونه زعيما روحيا لا زمنيا ، ورشح ابنه عبد القادر لهذا الأمر الخطير الذي يعلم استعداد ابنه الفطري للقيام به دون إخوته . وهكذا بايع أهل معسكر عبد القادر « سلطانا » عليهم ، ودخلوا تحت طاعته ، ثم تتابعت الوفود للمبايعة من مختلف الجهات ولقبوه بلقب « الحاج » تارة ولقب « السلطان » تارة أخرى ، ولم يلقبوه بالأمير . اتخذت عملية المدافعة ضد الفرنسيين أسماء عديدة ، فهي حرب ضد أجنبي غاصب ، وهي جهاد في سبيل الله ، وهي مقاومة مسلحة تعبر عن رفض الاستسلام للقوة مهما كانت عاتية . وقد استغرقت هذه المقاومة سنوات عديدة وأصبحت رمزا في تاريخ الجزائر لكل أشكال