المنجي بوسنينة

197

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

فتحطّم المركب على مقربة من ميناء طرابلس ، وفقد كل ما يملكه ، فنزل في المدينة واستضافه ابن وطنه « جواني كاتسفليس » وكان وجيها يعمل مترجما لدى قنصل إنكلترا بطرابلس ، وسعى له عند القنصل فوفّر له العناية والحماية ، وأخذ يبني حياته من جديد ، وقطع صلاته بوطنه اليونان ، واستقرّ له المقام بطرابلس فتزوّج بها ورزق الأولاد ، والأحفاد ، والذراري . ولد جرجي في دار أبيه الفخمة التي كان يرتادها ذوو الوجاهة والسياسة من سوريين ، ولبنانيين ، وأتراك ، وأمريكيين ، ويونان ، وإنكليز ، فنشأ في جوّ عابق بالوجاهة ومجالس الفكر والسياسة ، وعاش حياة هنيّة بين المباهج الاجتماعية وأطيب الأوقات ، فتوفّرت له الدروس في كتاتيب المدينة ، ثم درس في المدرسة الإنجليزية ، وتعلّم العربية والصرف والنحو ، ومبادئ الإنكليزية والحساب والتاريخ والجغرافية ، وشيئا من العلوم الطبيعية ، والتحق بالمدرسة الوطنية في بيروت للمعلّم بطرس البستاني ( ت 1301 ه / 1883 م ) وأمضى فيها خمس سنوات متّصلة يتلقّى العلوم العالية ، وعاد إلى طرابلس ، فعهد إليه والده بجميع أعماله السياسية والصيرفية ، ولكنّ ذلك لم يصرفه عن الاهتمام بالنواحي الفكرية والعلمية ، فأسهم مع نفر من علماء طرابلس من الروم الأرثذوكس بتأسيس مدرسة « كفتين » الشهيرة بمنطقة الكورة القريبة من طرابلس سنة 1299 ه / 1881 م . وفي السنة المذكورة - وكان عمره سبعة وعشرين عاما - نشر كتابه " تاريخ سورية " الذي عمّت شهرته بلاد الشام ، ودلّ على أنه كان رصينا في كتابته ، واسع الاطّلاع ، ملمّا بالكثير من المصادر والمراجع التاريخية ، وباختلاف لغاتها التي كان يتقنها . فقد قرأ تاريخ « استرابو » و « بلّيني » ، و « يوسيفوس » ، و « هيرودتس » ، و « ديودورس » ، و « هوميروس » ، و « استيفانوس » وغيره من مؤرّخي اليونان القدماء ، والكتاب المقدّس بعهده القديم ، واستعان بالمراجع الغربية الحديثة أمثال مؤلّفات « روبنصن » و « لا يرد » و « دولاروك » و « فولناي » و « يوركارد » و « هوك » و « ميشود » و « مكسيموس » و « رينان » وغيره ، ورجع إلى أمهات المصادر العربية من مؤلّفات ابن خلدون ( ت 808 ه ) ، وأبي الفداء ( ت 732 ه ) ، وابن بطوطة ( ت 777 ه ) ، وياقوت الحموي ( ت 628 ه ) ، وطالع الفرمانات والصكوك والسجلّات الرسمية والمراسلات والتقارير القنصلية والرسائل الدبلوماسية ونصوص المعاهدات والقيود والفتاوى والمذكّرات وبعض المخطوطات التي باتت في حكم المفقود . وقصد بتاريخ « سورية » بلاد سورية الطبيعية التي كانت تضم الأقطار الحالية : لبنان ، وسورية ، والأردن ، وفلسطين . وقسّم كتابه إلى قسمين ، تناول في الأوّل التاريخ العام للبلاد من العصر الفينيقي حتّى القرن التاسع عشر الميلادي . أما القسم الثاني فخصّصه لتاريخ أشهر المدن ، مبتدئا بحلب ، وأعقبها بقنّسرين ، والإسكندرية ، وأنطاكية ، ودفنه ، وسولوقية ، ومدن الداخلة ، واللاذقية ، وجبلة ، وطرطوس ، وحماه ، وحمص ، وأرواد ، وعرقا ، ثم طرابلس التي خصّها بأكثر الصفحات ، وبعد ذلك البترون ، وجبيل ، وبيروت ، وبعلبك ، ودمشق ، وتدمر ،