المنجي بوسنينة
17
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
وشهد معركة صفين مع علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه . كان جابر بن عبد اللّه مفتي المدينة في زمانه ، وكان من الحافظين للسنن والمكثرين لرواية الحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقد بلغ مسنده ألفا وخمسمائة وأربعين حديثا ، اتّفق الشيخان على ثمانية وخمسين منها وتفرّد البخاري بستة وعشرين حديثا وتفرّد مسلم بمائة وستة وعشرين حديثا . حمل عن النبي صلى اللّه عليه وسلم علما كثيرا نافعا ، وله منسك صغير في الحج ، وكانت له حلقة في المسجد النبوي يؤخذ عنه العلم . قال جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنه : بلغني عن رجل حديثا سمعه من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فاشتريت بعيرا ثم شددت عليه رحلي فسرت إليه شهرا حتّى قدمت عليه الشام فإذا عبد اللّه بن أنيس فقلت للبواب : قل له : جابر على الباب ، فقال : أابن عبد اللّه ؟ قلت : نعم ، فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني واعتنقته فقلت : حديثا بلغني عنك أنك سمعته من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في القصاص فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه ، قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « يحشر الناس يوم القيامة عراة غرلا بهما ، قال : قلنا : وما بهما ؟ قال : ليس معهم شيء ، ثم يناديهم بصوت يسمعه من قرب ، أنا الملك ، أنا الديّان ولا ينبغي لأحد من أهل النار وله عند أحد من أهل الجنة حقّ حتّى أقصه منه حتّى اللطمة ، قال : قلنا : كيف وإنّما نأتي اللّه عز وجلّ عراة غرلا ، قال : بالحسنات والسيئات » . عندما أراد عبد اللّه والد جابر أن يخرج غازيا إلى أحد قال لابنه جابر رضي اللّه عنه : يا بني أراني شهيدا اليوم بل أراني أول الشهداء ، ويعلم اللّه أنّك لأحب إنسان إليّ بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، واعلم أني عليّ دين فاقض عني ديني ، وأوصيك بأخواتك خيرا ، وكان قد ترك تسع بنات . ثم دارت رحى المعركة فكان عبد اللّه أول شهيد من شهداء أحد . ويصل الخبر لجابر رضي اللّه عنه ، في المدينة ، ففزع وجرى إلى أرض المعركة لينظر إلى أبيه . يقول جابر : فجعلت أريد أن أنظر إلى أبي وأصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم يدفعونني لأن المشركين قد مثلوا به بعد استشهاده ، فقال لهم النبي صلى اللّه عليه وسلم : « دعوه ينظر إلى أبيه » . فجعلت أنظر إلى أبي ثم أضع وجهي في كمّي وأبكي ، فنظر إليّ النبي صلى اللّه عليه وسلم وقال : « يا جابر ابكه ، أو لا تبكه ، فلا تزال الملائكة تظلّه بأجنحتها من الأرض إلى السماء » . ثم وقفت مهموما ، فنظر إليّ النبي صلى اللّه عليه وسلم وقال : أبشر يا جابر ، فقلت : بم يا رسول اللّه ؟ فقال : أتدري يا جابر ؟ فقلت : ماذا يا رسول اللّه ؟ فقال : ما كلم اللّه أحدا إلا من وراء حجاب ، وكلّم أباك كفاحا بغير حجاب ، فقال له : يا عبدي تمنّ عليّ ، فقال : يا رب أتمنى أن أعود إلى الدنيا فأقاتل مع نبيك مرّة أخرى في سبيلك لما وجدت من حلاوة الشهادة ، فقال اللّه عز وجلّ : سبق مني القول أنهم إليها لا يرجعون ، فتمنّ عليّ أمنية أخرى ، فقال : يا رب أتمنى أن تبلّغ عني إخوتي ما أنا فيه من السعادة ، فأنزل اللّه عز وجلّ قوله وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ( 169 ) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا