المنجي بوسنينة
162
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
إليها مجرّد انفعال بالواقعة دون تغلغل في أعماقها وتأمل أبعادها . ولقد جنى اعتناء الشاعر بالمناسبة باعثا على القول على حركية شعره في وجدان المتلقي ، وتواصلها مع الحياة وذلك بسبب من أنّ حركة التاريخ في المجتمع اليمني قد تجاوزت كثيرا من مواقف الشاعر وآرائه ، في تلك القضايا . وإن من الآثار السلبية لاقتصار الشعر على المناسبة أن غدت رؤيته للحياة مفتتة متفرقة مبعثرة ، فأنت لا تستطيع أن تحدد له رؤية متكاملة سياسية أو وطنية وإنّما هي خطرات ونظرات ، أشتات وصور متفرّقات ، وإن كانت جميعا نتاج هوية إبداعية واحدة ، لكنك على الرغم من القول السالف لن تخطىء ما يتّسم به شعره الوطني من حماسة صادقة وإن جاء المتأخّر منه مشايعا رغبات الحاكم وممالئا له . ومن هنا يمتاز قوله في أربعينات القرن الماضي أو خمسيناته : أرضي وفيها طعنة مسمومة * تدمي فؤاد الشاعر المتألّم أرضي أيجني شهدها مستعمر * وأنا أذوق بها كؤوس العلقم فيها القراصنة اللئام صلاتهم * بشريعة الغابات لم تتصرّم حمر الوجوه مشوّهون كأنما * نبتت جسومهم بأرض جهنّم من قوله في السبعينات من ذلك القرن : لقد جبّ يونيو بتيّاره * رواسب مارس ومن رسبوا أعاد إلى الأرض أصحابها * وشلّ الأيادي التي تنهب وأمّم أملاك من يسرقون * جهود الشعوب ولم يتعبوا وأسكن من ينزلون العراء * دورا وكرّم من غربوا . . . وجرادة يترسم في شعره خطى المتقدمين من شعراء العربية حتّى ليقع على طرائق لهم في رسم الصورة انعدم سالكوها في العصر الحديث ، من ذلك مثلا استخدام الاستدارة التنبيهية في قوله : ما مغرم بالراح عاقر عمره * كاساتها قد أترعت إتراعا غنى بها لونا كخدّ جميلة * كشفت عن الوجه الوضيء قناعا وشدا بنشوتها تحوّل ليله * صبحا يغيض من الكؤوس شعاعا بأشدّ منّي فرحة بهدية * جسّدت فيها الفن والإبداعا وهنا يقيم النص مشابهة بين فرحة المتكلّم بهدية تصله من صديق وفرحة شارب الخمر قد انقطع عنها حين أظلّه رمضان فأقلع حتّى جاءه عيد الفطر بالبشرى ففرح بمعاقرتها ثانية . ومن الطرافة أن المشبه هنا غدا مشبها به ، ويؤكد التشبيه بزوال أداته ، وإن جاءت الصفة في اسم الفاعل نقطة يتلاقى عندها طرفا التشبيه . ولجرادة في شعره خصيصة ، وهي أنه ينظم الفكرة فيرتّب أجزاءها فتجيء الأبيات ملتحمة متدفّقة لأنها نتاج عقل يفكر ويربط الأشباه