المنجي بوسنينة

122

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

1308 م ) صاحب كتاب « صلة الصلة » في ترجمة وضعها لابن جبير ، لم تصلنا في الواقع لكن نقل منها ابن القاضي في « جذوة الاقتباس » ، حيث قال متحدّثا عن أبي الحسين بن جبير : « ذكره ابن الزبير فقال : حدّثني عن ابن جبير هذا شيخنا علي بن محمد الغافقي ، وينسب إليه تأليف رحلته المشهورة ، وهي بأيدي النّاس ، وليست من تأليفه فيما ذكر لي شيخنا الغافقي ، إنّما قيّد هو حاصلها من ذكر المراحل والانتقالات وأحوال البلاد لنفسه تقييدا لم يقصد به التّأليف فرتّبه بعض من أخذ عنه أتقنه مؤسّسا » . ونفس هذه الفقرة نجدها ملخّصة عند ابن عبد الملك دون ذكر نقلها عن ابن الزبير ، إذ هو ينسبها مباشرة إلى الغافقي هذا والذي عدّه ابن عبد الملك من جملة الآخذين عن ابن جبير . وقضيّة التّأليف ستطرح مرّة أخرى كما هو معروف في شأن رحلة ابن بطوطة فيما بعد . وقد تضمّن نصّ الرّحلة تسجيلا لما شاهده ابن جبير وعاشه خلال رحلته بأسلوب يمزج بين المياومة والوصف والسّرد والاستطراد معبّرا عن الأحوال الّتي مرّ بها والمشاعر الّتي خالجته على مختلف المسالك الّتي ارتادها ، أو بين أحضان المدن ومختلف التجمّعات السّكنيّة ، وسواء كان على البحر أو البرّ أو على ظهر نهر ، مخترقا فضاءات مختلفة جدّا منها ما كان إسلاميّا ومنها ما كان مسيحيا أو أصبح هكذا بعد أن كان إسلاميّا ، إذ تنقّل ابن جبير - بعد عبور البحر - بين مصر والصعيد والحجاز والعراق والجزيرة والشّام بباديته وسواحله الّتي احتلّ الصليبيّون جزءا منها آنذاك . كما زار عددا من جزر المتوسّط وخاصّة صقليّة الّتي كانت تحت حكم النّرمان منذ مدّة ، واصفا كلّ ما جلب انتباهه ومبديا التّعاليق والانطباعات المختلفة . هذا فضلا عن حديثه في مواقع مختلفة من كتابه عن فضاء متميّز جدّا في اعتقادنا ألا وهو ظهر السفن وكيف كانت الحياة تسير عليه في أوقات هيجان البحر أو سكونه وطوال الطّريق مدّة أشهر . هذا وقد وقع التنبيه منذ أمد طويل إلى الأهميّة القصوى لمضمون هذه الرّحلة فوقع استغلالها في مواضيع شتّى من طرف باحثين منتمين إلى اختصاصات علميّة مختلفة . ففضلا عن المعلومات الواضحة والبارزة الّتي تهمّ المؤرّخ والجغرافي والأنتربولوجي والأتنوغرافي ؛ والأقلّ وضوحا والّتي تستدعي تنقيبا وبحثا أعمق كمواضيع متعلّقة بنواحي نفسانيّة أو متصلّة بالذّهنيّات وبقضايا النّظرة إلى آخره ؛ هناك مستويات أخرى تقدّم لنا الرّحلة معطيات هامّة حولها . كموضوع التقنيات البحريّة ، والمصطلحات المستعملة وغير ذلك كثير . وغير خاف أنّ تقييد هذه الرّحلة كان عملا جبّارا من ناحية الإفادة العمليّة . ولا نبالغ إن قلنا إنّ المرء يبقى مشدوها - عند التفكير مليّا - إزاء عظمة تلك اللّحظة الّتي قرّر فيها ابن جبير « يوم الجمعة الموفى ثلاثين شهر شوّال سنة ثمان وسبعين وخمس مائة على متن البحر بمقابلة جبل شبير » ، الجبل المطلّ على غرناطة جنوبا ، أن يبدأ ، كما ذكر هو حرفيا [ ص 7 ] في تقييد رحلته ، وهو على وعي تام بما يفعل ، بل مسجّلا لنا هذا الوعي ذاته