المنجي بوسنينة

87

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

ولعل اختيار القسطنطينية بالذات نهاية لرحلة آل البلوي ، يرجع إلى جاذبية هذه المدينة ، التي كانت في صعود مستمر ، وقوة متزايدة . وكانت في تلك الحقبة تحكم من قبل السلطان بايزيد الثاني ( 886 ه / 1482 م - 918 ه / 1512 م ) ابن محمد الفاتح ، فأرادوا الاستعاضة بها عن بلدهم الأصلي ( الأندلس ) الذي تدهورت أوضاعه وسقط أخيرا بيد الأسبان . وقد استقر أحمد البلوي وأسرته في هذه المدينة ، بعد وفاة والدهم في طريق الرحلة ، الذي دفنوه في إحدى مدن آسيا الصغرى الواقعة على بحر إيجة . ويبدو أن إقامة أحمد البلوي في القسطنطينية كانت طويلة ، لأنه حرر أحد كتبه في إحدى ضوابطها غلطة Galata ، وهو شرحه للقصيدة المعروفة بعد ذلك ، وهل أنه واصل رحلته إلى المشرق ، وتوجه لأداء فريضة الحج ، والاتصال ببقية علماء المشرق الإسلامي ، لا سيما في الحجاز ، أم أنه قضى بقية عمره في القسطنطينية ، متفرغا للتأليف والبحث حتى وفاته سنة 938 ه / 1532 م . آثاره كان أحمد البلوي شخصية علمية ذات باع طويل في فنون العلم والمعرفة ، له وزنه على الصعيد العلمي في الأندلس والمغرب والمشرق . وأهم مؤلفاته على الإطلاق هو ثبته ، الذي يحتوي على المعارف وعلوم جمة ، وموضوعات عديدة ، منها تراجم لشيوخه وأساتذته ، وأسانيد هؤلاء الشيوخ في مختلف فنون المعرفة ، كما يشير أيضا إلى حياته العلمية وتطوره الثقافي وحجم معارفه ، فضلا عن أسماء الكتب التي كانت رائجة في عصره ، وأنواع المعارف التي كانت تسود آنذاك ، كالعلوم النقلية التي تتصل بالدين واللغة ، والعلوم العقلية والطبيعية . وقد درس البلوي معظم هذه العلوم مع أساتذته ، لا سيما العلوم الإنسانية منها التي تختص بأهمية بالغة في هذا الكتاب . وبالإضافة إلى هذا ، فإن ثبت البلوي ، يعدّ من آخر الكتب التي وصلتنا عن الأيام الأخيرة من حياة الإسلام في الأندلس ، حيث كتبت بعض فصوله في العقد الأخير من القرن التاسع الهجري / أواخر العقد التاسع وأوائل العاشر من القرن الخامس عشر للميلاد ، وهو العقد الذي سقطت فيه غرناطة آخر معاقل المسلمين بالأندلس . وقد مزج البلوي في هذا الكتاب بين طريقتين للكتابة تعتمد إحداهما على الترسل ، أو النثر المرسل الذي يناسب الكتابة العلمية ، ثم طريقة السجع . وكان إنتاجه متنوعا بين النثر والشعر . وتبدو شاعريته في دراسته لبعض المقطوعات الشعرية والقصائد التي قيلت في أغراض مختلفة ، وفي قصيدته التي وجهها إلى أحد أساتذته طالبا منه الإجازة [ ثبت أبي جعفر البلوي ، 431 ، والمقدمة ، 58 - 59 ] . أما كتاب البلوي الثاني ، فهو شرح لعروض الخزرجية ، وهي قصيدة في العروض والقوافي ، منظومة في البحر الطويل ، وتعرف أيضا بالرامزة ، للإمام ضياء الدين أبي محمد عبد الله بن محمد المالكي الأندلسي . وقد أشار حاجي خليفة إلى شرح البلوي ، ووصفه بأنه « شرح مبسوط صنفه الشارح بغلطة ، وأوله الحمد لله الذي شرح منا لفك رموز أمته