المنجي بوسنينة

853

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

الناس بالتحفظ على نقله وروايته ، وبعدم النقل إلا عن الثقة الحجة . يقول سفيان داعيا الناس إلى تعلم الحديث : « تعلموا هذا العلم ( أي الحديث ) واكظموا وأفرغوا عليه ، ولا تخلطوه بضحك فتجمد القلوب » . وكما كان سفيان الثوري من أفضل المحدثين ، كان أيضا فقيها ورعا موفقا . وقد أهلته المقادير لأن يكون من كبار المحدثين والفقهاء . كيف لا ؟ وهو صاحب ذاكرة قوية ، وقوة خارقة على الحفظ ، وذكاء حاد ، ونباهة منذ صباه . يقول سفيان : « ما استودعت قلبي شيئا قط فخانني » . عدّه عبد الرحمن بن مهدي من أئمة الناس في الفقه ، وقال : أئمة الناس في زمانهم أربعة : سفيان الثوري بالكوفة ، ومالك بالحجاز ، والأوزاعي بالشام ، وحماد بن زيد بالبصرة » [ حلية الأولياء ، 6 / 356 ] . ويقول عبد الله بن داود مبينا مكانة سفيان في الفقه : « ما رأيت أفقه من سفيان » . وقال ابن حبان : « كان ( أي سفيان ) من سادات الناس فقها وورعا وإتقانا » . هذه الأقوال وغيرها كثير إن دلت على شيء فإنما تدلّ على مبلغ ما وصل إليه سفيان الثوري من العلم والمعرفة في الحديث والفقه ، وفي الحفظ والإتقان . وأما المرحلة الثانية من مراحل الحياة الروحية لسفيان الثوري فهي مرحلة الزهد التي جاءها من باب الفقه ، فكانت حياته عبادة وزهدا مع عمل . وكان يرى أن الحكمة ثمرة الزهد ، ينبتها الله في قلب المؤمن . بدأت سياحاته مع مجموعة من الزهاد ، وكان منهم إبراهيم بن أدهم الخراساني ، وقد اعتبره إبراهيم بن أدهم وغيره من الزهاد « إمام الزهاد » ، ومرجع ذلك أن الزهاد رأوا سفيان يجمع بين علوم الدنيا وعلوم الآخرة ، بينما شغل العباد من قبل - وخاصة في البصرة - بالتعبد عن الرواية . وهنا يحق لنا أن نقول إن حقيقة الزهد وقوامه عند سفيان ثلاثة عناصر أولها : التقوى فهي ملاك الزهد عنده وجوهره . والتقوى في رأيه عمادها تهذيب النفس من شوائب الدنيا ، لذلك كان يقول : « ما عالجت شيئا قط أشدّ على نفسي ، مرة علي ، ومرة لي » [ حلية الأولياء ، 7 / 5 ] . وثانيها اليقين لقوله : « ولو أن اليقين استقر في القلب ، كما ينبغي ، لطار فرحا وحزنا ، شوقا إلى الجنة وخوفا من النار » [ ابن الجوزي ، صفة الصفوة ، 2 / 81 - 82 ] . أما العنصر الثالث للزهد عند سفيان فهو سقوط المنزلة . وذلك ما عبر عنه عندما سئل : « ما الزهد في الدنيا ؟ فقال : سقوط المنزلة » [ حلية الأولياء ، 7 / 17 ] . وكان يرى الزهد الحق في سقوط المنزلة وعدم قبول الرياسة ، يقول : « ما رأيت الزهد في شيء أقل منه في الرياسة ، ترى الرجل يزهد في المطعم والمشرب والمال والثياب ، فإذا نوزع في الرياسة ، حامى عليها وعادى » [ حلية الأولياء ، 7 / 39 ] . ويقول موضحا معنى الزهد في الدنيا : « ليس الزهد في الدنيا بأكل ، وبلبس الخشن ، ولا بأكل الخشب . إنما الزهد في الدنيا قصر الأمل » . وقيل لسفيان : أيكون الرجل زاهدا