المنجي بوسنينة

784

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

أوّلهما ذاكرته القويّة ، وثانيهما ذكاؤه الحاد . فقد كان آية في الحفظ والفهم ، له قدرة فائقة على الغوص في دقيق العلوم ، فلا يكاد يباشر شيئا منها إلّا ويفتح له باب في الفهم الصّائب [ الكرمي ، الكواكب ، 68 ] . فهذه المؤهّلات الشّخصيّة مكّنته من الاطّلاع الواسع على ما كتب في شتّى العلوم [ لاووست ، نظريّات شيخ الإسلام ابن تيّميّة ، 204 - 265 ] . فلمّا توفّي والده وكان له حينئذ من العمر إحدى وعشرون سنة ، قام بوظائفه من بعده في دار الحديث السّكريّة سنة ثلاث وثمانين وستّمائة ( 683 ه / 1284 م ) . لقد أسلمته هذه المرحلة إلى أن يتبوّأ مكانة الإمامة في العلوم الإسلاميّة وعقليّها بدون منازع . فكان إذا تكلّم في التّفسير فهو حامل لوائه المطّلع على ما كتب فيه . يغوص في دقيق معاني الكتاب الكريم . أمّا في علم الحديث ، فهو حافظ متقن وصفه الذّهبي بالخبرة التّامّة « بالرّجال ، وجرحهم ، وتعديلهم ، وطبقاتهم ، ومعرفة بفنون الحديث . وبالعالي والنّازل . . . فلا يبلغ أحد في العصر رتبته ، ولا يقاربه . . . » [ ابن رجب ، الذّيل على طبقات الحنابلة ، 2 / 323 ] . ونظر في العقليّات فأتقن علم الكلام والفلسفة والمنطق ، فبان له بالدّليل العقلي الموافق لصحيح المنقول غلط كثير من أصولهم الّتي بنوا عليها مذاهبهم . وقصارى القول ، فقد أسلمه عقله الواعي النّاقد وفكره الحرّ ، إلى إعادة تقويم تراث السّابقين ونخله في ضوء ما صحّ عنده من صحيح المنقول الموافق لصريح المعقول . وقد اعترف له معاصروه ، الموافق منهم والمخالف ببلوغ الغاية في العلوم ، حتّى قال عنه كمال الدين بن الزّملكاني : « كان إذا سئل عن فنّ من العلم ظنّ الرّائي والسّامع أنّه لا يعرف غير ذلك الفنّ . . . » [ الكرمي ، العقود ، 60 ] . ولد ابن تيميّة في ظروف مضطربة ، إذ لم يمض على سقوط بغداد ( 656 ه / 1258 م ) سوى خمس سنوات على يد التّتار ، ودخولهم بعد ذلك حلب ودمشق ، حتى رأى ابن تيّميّة آثار الخراب والدّمار ، وسمع عن أهوال المجازر ، ورأى بنفسه ما حصل في حرّان وهو صبيّ ، كلّ ذلك كان له كبير الأثر في شخصيّته فمحّض حياته للدّفاع عن أمّته ، وقد أثبتت الأحداث صدق نيّته وشجاعته . فقد وقف في وجه الملك « قازان » سنة 699 ه / 1300 م حين أراد الاستيلاء على دمشق ، فانسحب بجيشه ، ولمّا عاد التّتار سنة 702 ه / 1303 م تصدّى لهم فحثّ السّلطان النّاصر على إعداد العدّة اللّازمة وأظهر من الشّجاعة والثّقة بنصر اللّه الّذي تحقّق . أمّا ابتلاؤه فكان بسبب جرأته في إظهار ما يعتقده أنّه مذهب السّلف الّذي يجب نشره ولا يجوز كتمانه ، وقد اقتضى منه ذلك نقد كبار أئمّة الكلام والتّصوّف الّذين كانت لهم منزلة مكينة في نفوس مقلّديهم ، فعزّ عليهم أن ينال من سمعتهم ، فأعلنوها حربا عليه . فكانت أوّل مسألة امتحن فيها هي العقيدة الحمويّة الّتي كتبها سنة 698 ه / 1299 م على إثر سؤال ورد عليه من حماه حول صفات اللّه ، فأجاب عليه بما يوافق عقيدة السّلف ، ويخالف ما عليه أهل الكلام ، ولكنّه انتصر عليهم فيها . وفي سنة 705 ه / 1306 م أعيد امتحانه في مصر وانتهى به الأمر إلى السّجن [ الكرمي ،