المنجي بوسنينة
672
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
ما عدا القصيدة المذكورة آنفا قد ذهبت أدراج الرياح . وأيا كان الأمر فإن قصائده المتبقية تدل على قدرته الفائقة على أساليب الشعر الجاهلي المختلفة . وبعد قراءتها يبدو أن الشيخ التهانسيري كان عربي الثقافة رغم كونه هندي المولد ، ذلك لأن قصائده تزخر بالتشبيهات والاستعارات التي تتميز بها دواوين الشعراء الجاهليين ، وعلى سبيل المثال فهو يقول : لا عيش بعد لئيلات اللّوى رغدا * ولا وصول إلى ذلك الحمى بيدي حل الأحاديث عن ليلى وجارتها * وارحل إلى السيد المختار من أدد [ سبحة المرجان ، 94 ] ومن الملاحظ هنا أن الشيخ التهانسيري لم يثبت تفوقه في قرض الشعر بالعربية بل كانت له يد طولى في مختلف العلوم والفنون الإسلامية ولا سيما مجالات الفقه ، والحديث ، والتفسير ، فالناس كانوا يشدون الرحال إليه لطلب العلم والمعرفة وينهلون من معين معلوماته الواسعة ، وكانت مدينة دلهي وما يجاورها من المدن والأمصار تدوي بصيته العلمي والأدبي . ومما يروى في هذا الخصوص أن قوات الأمير تيمور بن ترغاني لما سيطرت على مناطق السند والبنجاب ودخلت سنة 801 ه مدينة دلهي ، منتصرة ووقع الشيخ التهانسيري أسيرا لها تأثر الأمير المذكور بغزارة علمه إلى حدّ أنه سرعان ما أصدر حكما بإطلاق سراحه وبالغ في تعظيمه وتكريمه ، وطلب منه أن يلتحق بزمرة العلماء والأدباء الذين يصطحبونه بصورة مستقلة ، ويرحل معه إلى سمرقند مقر حكومته الدائمة . إلا أن الشيخ رفض هذا الطلب وغادر دلهي سرا متوجها إلى بلدة « كالبي » الواقعة في وسط البلاد [ ماجد الزبيدي ، 479 ] حيث قضى بقية أيام حياته في زرع بذور العلم والأدب بعيدا عن زخارف الدنيا وملذاتها إذ لم يكن لديه أي شغل عدا التفاني في العبادة . ولم يزل على هذه الحالة حتى وافته المنية في 820 ه وووري جثمانه داخل قلعة « كالبي » بحضور جم غفير من العلماء والأدباء وعامة الناس . إنّ الكلمات السالفة الذكر تنم عن أن الشيخ التهانسيري كان كثير الاهتمام في جميع أطوار حياته بنشر العلوم والثقافة الإسلامية ، وقد بذل سعيا دائبا في سبيل إرساء دعائم الإسلام في ربوع الهند . ومما لا ريب فيه أن جهوده وجهود العلماء الآخرين من أمثاله قد أتت أكلها ، واتسعت رقعة الدين الحنيف في هذه البقعة من الأرض بفضل جهوده . ولتحقيق هذا الهدف النبيل اختار الطريقة الصوفية على يد الشيخ محمود نصير الدين الأودي الدهلوي [ نزهة الخواطر ، 3 / 8 ] للرد على الحركة « البهكتية » الهندوسية وآرائها الباطلة ومعتقداتها الخاطئة . ومن الملاحظ بهذا الصدد أن محاولته هذه لم تكن على حساب الشريعة ، ومعتقده الديني لم يقطع صلته بمصادر الشرائع والأحكام الدينية كما فعل بعض المتصوفة الهنود في عصره والعصور التالية ، وذلك بفضل معرفته باللغة العربية وآدابها التي أنقذته من الجوانب السلبية للصوفية ، لأنه كان يستوعب معاني القرآن والحديث وأسرارهما مباشرة دون الاعتماد