المنجي بوسنينة

656

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

منه بجزيرة صقلّية وليس له طعم ولا رائحة » . وعن نبات « الدارصيني » يقول : « رأيته ببغداد كثيرا ، معروف مجلوب إليها ، وشربت منه في سنة إحدى وعشرين وستّمائة للهجرة النبويّة المحمّديّة ، واستعمله شيخي في ترياقه لما حملته إليه » . ويظهر لنا بأنّه مارس الطبّ عمليّا ، فهو يورد بعض مشاهداته الطبّية ، وتجاربه والنتائج التي توصّل إليها ، فهو يقول عن نبات « الأشقرديون » : « هذا النبات أيضا ممّا غلط فيه فضلاء الأطبّاء والصيادلة والشجارين ووهموا بأنّه الثوم البرهي ، وينبت بدمشق كثيرا وسقيت منه في بعض الأسفار عند طلب الأدوية رجلا نهشته أفعي في ساقه وورم فما استقرّ في معدته حتّى تخلّص » . كان التنوخي يميل إلى صناعة وتركيب الترياق بنفسه ، ويقوم في سبيل ذلك برحلات تعشيبيّة إلى بلاد الشام وغيرها لجمع مفرداته المطلوبة لعمله ، هذا البحث الميداني في مواقع النبات جعله يكتسب خبرة عملية في « علم النبات التفريقي » ، وكان حريصا عند شرحه لكلّ مفردة نباتيّة أن يصف ماهيته بشكل واضح تمهيدا لتفريقها وتمييزها عن أيّ نبات آخر قد يتشابه معه ، ويعبّر عن هدفه بقوله : « إنّما قصدت تعريف الغلط في الأدوية كيف وقع والتشابه الضعيف الذي تمسّكوا به فيما نراه عيانا فما ظنّك بالمجهول » ، كما نتبيّن بأنّه كان يجري تجارب عمليّة مخبريّة تتضمّن زرع واستنبات بعض النباتات الغريبة غير الموجودة في محيطه الجغرافي ، أو التي تجلب من مناطق عن « البلسان » : « ورأيت ببغداد حبّا بلسان شبيه بالشونيز أو أنبل منه ، وقالوا : إنّ شجره ينبت عندهم بواسط أو قريب من بلدهم ، وأخذت من حبها فوجدت ريحه يشبه ريح البلسان ، وزرعتها أول أخذها ، ونبت عندي قصب طوله ذراع » . ذكر التنوخي 57 نباتا في كتابه « الأشرف » ، كما كشف بعض أخطاء العلماء السابقين وأهدافهم من الكتابة حول الترياق ، وأبدى ملاحظات مفيدة حول كتاباتهم ، كما بيّن الطريقة والتقنية لتحضير الترياق ، والكمية والمادة الطبيّة والمواد البديلة والتأخير الدوائي من خلال التجربة والأوعية الذهبيّة والفضّية والزجاجية المستخدمة في الصناعة الدوائيّة ، كما ذكر الترياق الذي ركبه شيخه « ابن الصوري » للسلطان الأيّوبي الملك العادل « سيف الدين أبي بكر بن أيّوب » سنة 610 ه / 1212 م بالقاهرة وكذلك الترياق المصنوع للملك الأيوبي « عيسى المعظم » في أوائل 626 ه / 1229 م . والواقع أنّ مركّب الترياق لا بدّ أن يكون عالما بقوى الأدوية النباتية وغيرها المستخدمة في التركيب ، ومعرفة ماهيتها وكيفيتها واختيار جيّدها من رديئها ، ومعرفة خواصّها ، وكثرة أجناسها ، وعلم أوقات اختيارها في منابتها ، وقد انغمس التنوخي لفرط حماسه وثقته في خلافات مريرة مع أبرز علماء عصره « ابن البيطار » . ودخل معه في مناقشات علميّة ومنازعات مريرة ، واتهامات متبادلة لا تخلو من التجنّي والتحامل مثل الخلاف حول تسمية بعض النبات وتفريقها كما يقول : « واجتمعت بعبد الله بن البيطار المؤلّف للكتاتيب وباحثته طويلا ، وقد علم من حضر مباحثتي تميّزي بما لا أحتاج معه إلى زخرفة