المنجي بوسنينة

631

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

وينضاف إليه حديث جابر وفقهه وحسن تدبيره ، دون أن ننسى ما أخذ من صحار العبدي من معرفة للأخبار وقدرة على البيان وبراعة في الجدل والاحتجاج . كل هذه الخصال مكنت هذا الفتى المتفاني في طلب العلم وفي خدمة الجماعة في مركزها الأساسي في البصرة وفي بيت اللّه الحرام من أن تبوئه المكانة التي تليق به ألا وهي إمامة الكتمان التي تحرص على الاستعداد لإمامة الظّهور . ولم يكن أبو عبيدة رغم ما آتاه اللّه من علم أن يندفع إلى الاعتداد بالرأي ، وإنّما أرسى في مدرسته التعلق بالآثار مما جعلها مدرسة سنية راسخة القدم لا تبتغي عن حديث الرسول عليه الصلاة والسلام وأخبار صحابته بديلا . وقد قال قبله شيخه جابر في هذا الصّدد : « ومن ضيّع للنّاس أمرا مخالفا للسنّة فإنّه لا يمكن أن يكون على صواب » [ جابر بن زيد ، الرّسائل ، ص 5 ] . وها هو الإمام أبو عبيدة يقول : « من لم يكن له أستاذ من الصّحابة فليس هو على شيء من الدّين ، وقد منّ الله علينا بعبد اللّه بن عبّاس بن عبد المطّلب عمّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وعبد اللّه بن مسعود ( 32 ه - 652 م ) ، وعبد اللّه بن سلّام ( 43 ه - 663 م ) ، وهم الرّاسخون في العلم ، فعلى آثارهم اقتفينا ، وبقولهم اقتدينا ، وعلى سيرتهم اعتمدنا ، وعلى مناهجهم سلكنا » [ الجيطالي ( 750 ه - 1349 م ) ، شرح النّونيّة ، خ 1 / 24 ] . فلا قيمة لمذهب ليس له سنده المتين الذي يربطه بالرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولا قيمة لمدرسة ليس لها مرجع راسخ في العلم ، وفي هذا المعنى يقول أبو عبيدة : « كلّ صاحب حديث « من ليس له إمام في الفقه فهو ضالّ مضلّ ، ولولا أن من اللّه علينا بجابر بن زيد رضي اللّه عنه لضللنا » [ ن . م ، 1 / 24 ] . ولا قيمة للرّأي عند أبي عبيدة إلّا بعد أن يستنفد البحث في السنّة والآثار . كيف تأتّى للإمام أبي عبيدة في محيط البصرة بما فيه من ضغط سياسيّ عنيف في تلك الفترة أن يحيي سنّة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأن ينشر سبل الخير في تلاميذ أجلّاء تمكّنوا من نشرها في أطراف العالم الإسلاميّ آنذاك شرقا وغربا . لقد تأتى له ذلك بإقامة مجالس كانت تنقسم إلى ثلاثة أنواع : مجالس الشّيوخ ، ومجالس العامّة ، ومجالس تكوين الدّعاة [ النّامي ، دراسات عن الإباضيّة ، 101 - 104 ] . وقد جمع مجلس الدّعاة طلبة من الحجاز ، واليمن ، وعمان ، وخراسان ، ومصر ، والمغرب ممّن كان لهم شأن في مواطنهم في بثّ الدعوة وإرساء قواد إمامة الظّهور ، الأمر الذي لم يرد أن يضطلع به أبو عبيدة بنفسه ، إذ يعلم أنّه بالإقدام على مثل ذلك في البصرة إنّما يقدم على عمليّة انتحاريّة تفجّر كلّ البناء عن أساسه . ومن هذا المجلس تخرّج من العراق : مثل أبي غسّان مخلد بن العمرد الغسّاني ، وعبد الملك الطّويل الذي تحمّل مسؤوليّة إحدى المجالس العامّة ، وأبي سعيد عبد اللّه بن عبد العزيز