المنجي بوسنينة
569
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
استدعى الشريف التلمساني من فاس بعد أن سرحه القائم بالأمر يومئذ الوزير عمر بن عبد الله ، فانطلق إلى تلمسان ، وتلقاه أبو حمو بالترحاب والإكبار ، وزوجه ابنته ، وبنى له مدرسة سنة 763 ه / 1362 م فتفرّغ التلمساني للدرس والبحث والنظر والإرشاد ، فكان يمضي جلّ أوقاته في ذلك ، مع ما كان عليه من التعبّد والتهجد والزهد ، وتلاوة القرآن . حكى عنه ابنه أبو محمد عبد الله قال : إنه بقي دهرا ما يزيد على ستة أشهر لم ير فيها أهله وولده اشتغالا بالورع والبحث وهو مقيم بينهم ! ذلك أنه كان عندما يستيقظ بكرة يغدو في حينه إلى المدرسة وهم نائمون ، ولا يعود إليهم إلا ليلا ؛ وإذا غلبه النوم نام نومة خفيفة ، ثم إذا استيقظ لا يعود ، ويقول : أخذت النفس حقها فيتوضأ ، والوضوء من أخف الأشياء عنده ، ثم يرجع للنظر . وكان من كثرة ازدحام الطلبة عليه يوزع بينهم ساعات الدرس بالرملية . ومن أشهر تلاميذه : العلامة عبد الرحمن بن خلدون ، والإمام الشاطبي ، وابن زمرك ، وإبراهيم الثغري ، وأبو عبد الله القيسي ، وغيرهم كثير . وكثيرا ما كانت ترد عليه الأسئلة من السلطان فما دونه ، فيوجهها إلى الطلبة ويسميهم بأسمائهم لرفع منزلتهم عند السلطان وغيره ، فكانوا بذلك على عهده من أعز الناس ، وأكثرهم عددا ، وأوسعهم رزقا . كان عالما بالفقه المالكي وأصوله ، وبالحديث وعلومه ، ومن أعلم علماء عصره بالعربية ، واسع المعرفة بالغريب ، وبالشعر وأخبار العرب ، ميالا إلى النظر ، متكلما جامعا للعلوم القديمة والحديثة ، والعلوم الرياضية ، له اليد الطولى في الخلافيات ، بارعا في الهندسة والهيئة والحساب ، انتهت إليه الرئاسة ، وشهد له العلماء بأنه وصل إلى درجة الاجتهاد . وقد اجتمع أهل التراجم والطبقات على إمامته ، وكماله في علمه ، وصلاحه وأخلاقه ، فذكروا أنه كان من أحسن الناس وجها وقدرا ، مهيبا ، ذا نفس كريمة ، وهمة عالية ، ولهجة صادقة ، حليما لا يغضب ، وإذا غضب قام فتوضأ ، رفيع الملبس بلا تصنع ولا تكبر ، طويل اليد كريما ، يطعم الطلبة طيب الأطعمة ولذيذها ولا يؤثر عنهم غيرهم . ولعناية التلمساني بالإقراء والدرس ، لم يسعه الزمن للإكثار من وضع الكتب والتصنيف والتأليف ؛ فإنه لم يبلغنا عنه مع غزارة علمه ، وسعة اطلاعه ، من خبر تآليفه إلا القليل منها . توفي بتلمسان وحضر جنازته السلطان أبو حمو الثاني قائلا في تعزيته لولده : « ما مات من خلفك ، وإنما مات أبوك لي ، لأني أباهي به الملوك » . وقال ابن عرفة حين بلغه نعيه : « لقد ماتت بموته العلوم العقلية » . آثاره 1 - مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول ، وهو كتاب جليل في علم أصول الفقه ، ألفه على منهاج جيد . قوي العرض ، دقيق النظر ، يعنى بما خلت منه المؤلفات في هذا العلم . طبع بتونس سنة 1346 ه ؛ بتحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف ؛ كما كتب وصدر عن مكتبة الخانجي مصر 1962 م ، كما كتب عليه عبد الحميد بن باديس تعليقا وجيزا