المنجي بوسنينة
52
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
كانت حينذاك تابعة لولاية البنجاب . ثمّ تمّ تعيينه بنفس المنصب في منطقة « سيوستان » وبهكر الكائنة بولاية السند ، وظل يباشر أعمال هذه الوظيفة حتّى 1162 ه ثم خلى منصبه هذا لفلذة كبده الشيخ محمد الذي كان هو الآخر ماهرا في اللغة والأدب ، ورجع إلى عاصمة دلهي وانضمّ إلى البلاط الملكي . وفي أواخر أيام حياته استقال من وظيفته ، وتفرّغ للأذكار والأوراد الدينيّة ولبّى نداء ربّه في ليلة الثالث والعشرين من ربيع الآخر 1128 ه / 1716 م ، ونقل جثمانه إلى بلكرام ودفن فيها عند قدم أبيه الشيخ أحمد الحسيني . ويظهر مما سلف ذكره أن حياة العلامة عبد الجليل كانت حافلة بالأعمال الإداريّة إذ إنه كان موظفا مرموقا في الحكومة المغولية ، ومع هذا لم ينصرف قط عن قراءة وتأليف الكتب . وكلما سنحت الفرصة صرف همّته للتزوّد بالمعلومات والمعارف الدينية والفنون الأدبيّة ، فكان بذلك يفوق جميع أقرانه في المطالعة ، وموسوعي العلم والمعرفة ، ضليعا في الأدب والشعر والحديث والتفسير وأسماء الرجال والتاريخ والسير ، وعلم الهيئة ، وفنون البلاغة المختلفة . وكلّ من تباحث معه في المواضيع المذكورة تأثّر بمعلوماته الواسعة ودلائله القاطعة . فيقول عنه العلامة علي المعصوم الدشنكي الشيرازي : « ما رأيت لهذا السيد بالهند نظيرا لما ألقاه في خمائل الأدب غصنا نضيرا » . ومن الأسف أنه بالرغم من علمه الوافر لم يترك لنا آثارا علمية جمّة كما فعل سبطه الفاضل العلامة غلام علي آزاد البلكرامي حتى أننا لا نجد له ديوانا مع أنّه كان يقرض الشعر بالعربية والفارسية والهندية والتركية ؛ ومن أبياته المندرجة في سبحة المرجان للعلامة غلام علي آزاد البلكرامي نستشف أنه كان شاعرا فذّا وكانت له يد طولى في نظم القصائد بالعربية . وكان يراعي فيها المحسنات البديعية ، فعلى سبيل المثال نظم الأبيات التالية في خطاب أرسله إلى صديقه خواجة عبد الباسط الدهلوي طالبا منه « ربيعة الأبرار » للعلامة الزمخشري : يا باسط الأيدي أيا غيث الندى * صيرت مزرعة العطاء مربعا لا غرو أن أطلب ربيعا منكم * فالغيث يعطي العالمين ربيعا وكذلك في البيتين التاليين حيث نجده يعنى بالجناس في قوله : يا صاح لا تلم المتيّم في الهوى * هو عاشق لا ينثني عن خلّه يأبى الدواء سقامه كعيونه * فعلى الطبيعة يا معالج خلّه تدل هذه الأبيات على مهارة العلامة عبد الجليل الفائقة في الفنون البلاغية وقدرته المتميّزة على الأساليب المختلفة في اللغة العربية ، فيقول سبطه الفاضل غلام علي آزاد البلكرامي أن جدي عندما قرأ البيت التالي للبديع الهمداني في « حدائق السحر » للعلامة رشيد الدين الوطواط البلخي ( ت 573 ه ) في ضمن أمثلة المدح بما يشبه الذم : هو البدر إلّا أنّه البحر زاخر * سوى أنّه الضرغام لكنّه الوبل وعلم أنّ أبا إسحاق إبراهيم بن محيي الغزي