المنجي بوسنينة
518
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
الإيجي ( المتوفى 756 ه / 1355 م ) ، المتكلّم المبرّز في العقيدة الأشعريّة والفقيه الكبير في الشافعيّة ، كانت سببا في اعتقاد بعض مؤرّخي التفتازاني في أشعريّته وشافعيّته ، وصحيحه كما هو ثابت لدينا بما تحقّق الآن من ماتريديّته وحنفيّته . والإيجي له مكانة خاصّة في تطوير المنحى العقلي للتفتازاني ليس في الدرس فحسب ، بل إنّ هذا الأخير كان تلميذا وفيّا لأستاذه الذي تعرّض لمنازعات مع حاكم كرمان أدّت إلى سجنه وموته في السجن . وقد تميّز التفتازاني بتنوّع معارفه ، وكان لعدد من مصنّفاته تأثير كبير في التراث البلاغي والأصولي والمنطقي ؛ فإذا كان كتابه المطوّل في البلاغة واحدا من أعظم الشروح الكبرى على كتاب « تلخيص المفتاح » للقزويني الخطيب ( المتوفّى 739 ه / 1338 م ) . فإنّ « المختصر » هو أنفس كتاب مدرسي للبلاغة اختصر فيه شرحه المطوّل لتلخيص المفتاح . ومن ناحية أخرى ، فإنّ كتبه العقديّة تؤكّد انتسابه إلى أبي حنيفة في الفقه وأصوله ، وإلى أبي منصور الماتريدي في العقيدة وعلم الكلام . وأبرزها كتاب المقاصد ، وشرحه ، ثمّ شرح العقائد النسفيّة . وهنا نجد التفتازاني واحدا من أبرز المتأخرين في المدرسة الماتريديّة ، قوّة في الحجّة ، وتأثيرا في المتلقّي لفكره المبسوط في هذه الكتب الثلاثة . وفي الجانب الآخر ، نجد التفتازاني صاحب شروح على شروح في المنطق كان لها تأثيرها في عصرها ، حتّى فطن ريشر إلى أنّه كان « يمثّل حدّا فاصلا بين الباحثين القدماء والباحثين المحدثين » [ انظر Rescher , D . A . L . , PP . 217 - 218 والترجمة العربيّة ، 487 ] ؛ وهكذا نلاحظ أن سعد الدين التفتازاني علم مبرز في مختلف علوم عصره ، وقد تكرّست مناقشاته في حرية الاختيار والجبر على نحو يجعله معمّقا لقراءاته لأبي منصور الماتريدي والماتريديين ، وهو أمر يبعده عن الأشعري والأشاعرة في هذا المجال . وكان التفتازاني في مؤلّفاته الكلاميّة متأثّرا بالفلاسفة تأثّرا واضحا في استخدامه للمصطلحات والألفاظ الفلسفيّة ؛ كما أنّ حججه التي يسوقها في تقوية ما ذهب إليه الماتريدي والنسفي ، تصدر عن حجج منطقيّة برهانيّة تتجاوز طبيعة القياس الجدلي والقياس الخطابي ؛ ومن ذلك قوله إنّ الواحد يعني أنّ صانع العالم واحد ، ولا يمكن أن يصدق مفهوم واجب الوجود إلّا على ذات واحدة [ شرح العقائد النفسيّة ، 33 ] ، لذلك يشير التفتازاني إلى « أنّ النصارى قالوا بالقدماء المتغايرة ، وإن لم يصرّحوا بذلك ، ولكن لزمهم ذلك لأنّهم أثبتوا الأقانيم الثلاثية » الوجود والعلم والحياة ، وسمّوها الأب والابن و ( روح ) القدس ، وزعموا أنّ أقنوم العلم قد انتقل إلى بدن عيسى عليه السّلام ، فجاوزوا بذلك الانتقال والانفكاك « فصارت ذوات متغايرة » [ أيضا ، ص 47 ] . وفي مجال المعرفة والعلم نجد التفتازاني محاورا من نوع خاص ، عندما يتعرّض للسوفسطائيّة فيردّهم في قولهم بإنكار ثبوت حقائق الأشياء ، تلك الحقائق التي يجزم هو بضرورة ثبوتها بالحس أو العيان ، وبالعقل أو البيان ، وأنّ خطأ السوفسطائيّين بجميع أصنافهم إنّما جاء من خطأ الحواس [ أيضا ، 11 - 12 ] . ويخلص إلى أنّ حقائق الأشياء ثابتة والعلم بها متحقّق [ انظر رسالته في