المنجي بوسنينة
447
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
والرأي . وعند بلوغه السابعة والعشرين اتجه إلى مكة قاصدا الحج وطالبا علم الحديث ، فوجد شيئا من ذلك عند مروره بالعراق ومكة ، ولخواطر نفسية صحّح توبته - على حد قوله - وسأل الله الزهد في الدنيا ، وسعى إلى ذلك بالفعل مبتدئا بحفظ القرآن ثم البحث عن مشايخ يأخذون بيده إلى علم الباطن . ولما تعذّر عليه ذلك في بادئ أمره بحث في الكتب ، فوقع إليه كتاب الأنطاكي ، ومنه تعلم شيئا عن رياضة النفس ، وراح يمارس الخلوات في الفيافي . ثم صحب بعض أعلام الصوفية وتتلمذ عليهم مثل الثلاثة الذين ذكرهم كل من السلمي والقشيري والشعراني ، وهم : أبو تراب النخشبي ، وابن الجلاء ، وابن خضرويه . حين تضلّع في التصوّف التفّ حوله التلاميذ ، منهم : أحمد بن محمد بن عيسى ، والحسن بن علي الجوزجاني ، وأبو بكر محمد بن عمر الوراق ، وغيرهم . ويعدّ الترمذي رائد ابن عربي [ دائرة المعارف الإسلامية ، 5 / 228 ] . وفي أواخر حياة الحكيم الترمذي تعرض إلى محنة بسبب كتابه « ختم الولاية والنبوّة » ، فقد أنكر عليه أهل ترمذ أفكاره الصوفية عن الولاية والنبوة ورموه بالكفر والزندقة ، فحمل إلى بلخ فأكرموه ( أي أهلها ) لموافقته لهم في المذهب . . . عاش إلى حدود العشرين وثلاث مائة . . [ لسان ، 5 / 308 ، 310 ] . أحصى له محقق كتابه « الأمثال » ثمانية وخمسين كتابا لا يزال أغلبها مخطوطا ، نذكر منها : كتاب إثبات العلل ، أجوبة مسائل ، الاحتياطات ، الحج وأسراره ، الحكمة ، وكتاب الفروق . وهذا الأخير وصف في دائرة المعارف الإسلامية بالمصنف العجيب ، لاشتماله على شيء طريف من فلسفة اللغة وفقهها حيث يستنتج عدم وجود الترادف بمعناه الحقيقي [ دائرة المعارف ، 6 / 227 ] ، ومن أمثلة التفرقة بين المفاهيم يميز الترمذي بين : المداراة والمداهنة ، المحاجة والمجادلة ، المناظرة والمغالبة ، الفؤاد واللب ، الصدر والقلب . . . [ الزركلي ، الأعلام ، 157 ] . ومن كتبه أيضا ؛ أدب النفس ، الأمثال من الكتاب والسنة ، رياضة النفس ، ختم الولاية ، المنهيات ، ونوادر الأصول . لقد جاءت كتابته لهذه المؤلفات ، كما يخبرنا ، نتيجة بواعث صوفية ؛ وليس لإرادة في التأليف ، أو للافتخار والتباهي ، حيث يقول : « ما صنفت حرفا عن تدبير ولا لينسب إليّ شيء منه ، ولكن كان إذا اشتدّ عليّ وقتي أتسلّى به » [ الرسالة القشيرية ، 22 ] . أما كتابه « نوادر الأصول في أحاديث الرسول » ، وهو كتاب في أربعة أجزاء ، فتكسوه صبغة صوفية واضحة ، صنّف فيه أحاديث الرسول بحسب موضوعاتها إلى 853 أصلا . وأما كتابه : « الأمثال من الكتاب والسنة » ، فهو في الحكمة والتصوّف ، جمع فيه الأمثال التي ضربها القرآن مع شرحها وإعطائها البعد الصوفي ، ثم خصّص الجزء الأكبر منه للحكم والأمثال التي تخدم منحاه العرفاني ، كالتي تتعلّق بالصدق والقلب والتربية والأخلاق الحميدة ؛ فعن القلب قال : « مثل القلب مثل حدقة العين ، فإن أدنى شيء يشغل العين ، والقلب أيضا يشغله أدنى شيء » [ الأمثال ، 45 ] . وهذا دليل على حساسية القلب وضرورة العناية به وشغله بما هو مفيد . وعن أهمية العلم والعلماء قال : « مثل العالم