المنجي بوسنينة
43
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
بالظهور في فترة مبكرة من حياته في سبتة . فبعد شدة طلبه للعلم ، ابتدأ بنبذ الدنيا ، والإقبال على الآخرة ، وجرى على سنن المتّقين ، آخذا بالأشد من ذلك والأقوى ، طامحا بهمته إلى أقصى ما يؤمّه السالكون ، فرفض زي الطلبة ، واكتفى بارتداء الملابس الخشنة ، وترك الاختلاط بالناس ، وبالغ في الابتعاد عنهم ؛ « وانقطع إلى الله برباطات سبتة وجبالها ، وخصوصا ميناءها ، وعكف على ذلك سنين . ثم سافر إلى المغرب سائما في الأرض ، على زي الفقهاء للقاء العبّاد وأهل العلم ، فأحرز من ذلك ما شاء الله . . . » [ الإحاطة ، 3 / 249 ] . ولم تتوقف جولته في المغرب ، بل امتدت لتشمل الأندلس ، فعبر البحر إلى المرية ، مستقر أسلافه ، حيث كانت له بقايا أملاك بقيت لأهله بها . واستمر على حال التبتل والإخبات ، فكان على ما يصفه أصحابه صواما ، قواما ، خاشعا ، ذاكرا ، تاليا ، قوالا للحق ، مسقطا للتصنع والمباهاة . ثم قدم مدينة غرناطة ، حيث قابل فيها أمير المسلمين من بني نصر ، السلطان محمد الثاني الفقيه ( 672 - 701 ه / 1273 - 1302 م ) . ولا يشير لسان الدين بن الخطيب ، الذي أورد هذه الرواية إلى السبب الحقيقي للمقابلة ، التي اعتقد السلطان أنها ربما كانت لطلب حاجة منه . ولكن رد محمد البلّفيقي على سؤال وزير السلطان عن حاجته ، أظهر استخفافه بالدنيا ، والطلب من غير الله ، قائلا : « بهذا الرسم رحلت ، ثم ظهر لي أن أنزل حاجتي بالله ، فعار على من انتسب إليه أن يقصد غيره » [ الإحاطة ، 3 / 249 ] . ويبدو أن هذا الرد قد أثر في السلطان ، مما كان له أثره فيما بعد ، من موقفه منه ، لا سيما بعد أن رجع البلفيقي إلى المغرب ، مستصرخا سلطانها أبا يوسف يعقوب المريني لنصرة الأندلس ، نتيجة لاشتداد أحوال أهلها ، بسبب تطاول أعدائهم الإسبان . فعبر أبو يوسف المريني البحر ، لمساعدة أهل الأندلس ، ونتيجة لذلك ازداد نفوذ بني مرين فيها نظرا إلى سيطرتهم على بعض المدن والحصون ، مما أدى إلى انزعاج السلطان الغرناطي محمد الفقيه ، الذي اعتقد أن البلفيقي قد أغرى به ملك المغرب ، ومما زاد هذا الاعتقاد سعي الساعين به ، فأمر بنهب ماله ، ومصادرة أملاكه التي عهد بها إلى المختص بالأملاك السلطانية ، ولكن محمدا البلفيقي تخلص من المحنة ، وغادر الأندلس إلى سبتة التي بقي فيها حتى وفاته في العشر الأواخر من شهر رمضان من سنة 694 ه / 1294 م ، ودفن إثر صلاة العصر بجبانة الخرّبة من منارتها ، بالقرب من قبر أحد الصالحين ، المعروف بالشيخ ريحان الأسود . المصادر والمراجع الوادي آشي ، برنامج الوادي آشي ، تح . محمد محفوظ ، بيروت ، 1980 ، دار الغرب الإسلامي ، 124 - 125 ، الترجمة 137 ؛ ابن الخطيب ، الإحاطة في أخبار غرناطة ، تح . محمد عبد الله عنان ، القاهرة ، مكتبة الخانجي ، 1975 ، 248 - 251 ؛ ابن حجر ، تبصير المنتبه بتحرير المشتبه ، تح . محمد علي البجاوي ، القاهرة ، 1964 - 1967 ، 1 / 170 ؛ ابن القاضي المكناسي ، درة