المنجي بوسنينة
416
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
وللتجيبي آراء واختيارات فقهيّة وفتاوى في مسائل مختلفة في أمور الدين والدنيا تدلّ على سعة علمه ، وعلو مقامه بين معاصريه . وقد وقع في زمانه اختلاف بين فقهاء قرطبة في مسألة حكم الحاكم ( القاضي ) بعلمه وما سمعه في مجلس نظره ، فذهب التجيبي في آخرين إلى أنّ القاضي له أن يقضي بعلمه من دون شهود ، ومال آخرون من الفقهاء إلى خلاف ذلك ، وقالوا : إنّما لم يقض بعلمه من دون بينة ، لأن فيه تعريض نفسه للتهم ، وإيقاعها في الظنون . قال القاضي أبو الأصبغ عيسى بن سهل صاحب كتاب الأحكام ( ت 486 ه / 1093 م ) : وهذا عندي القياس الصحيح المطرد لمن قال لا يقضي القاضي بعلمه ولا بما سمع في مجلس نظره ، ولكن الذي قاله أبو إبراهيم وابن العطار ، وجرى به العمل وهو عندي الاستحسان ، ويعضده قول مطرف ، وابن الماجشون ، وأصبغ في كتاب ابن حبيب ، أنّ القاضي يقضي على من أقرّ عنده في مجلس نظره بما سمع منهم وإن لم تحضره بينة [ النباهي ، 7 - 8 ] . ولما كملت الزيادة التي أجراها الخليفة الحكم على المسجد الجامع بقرطبة ، استدعى العلماء للمشاورة في تحريف القبلة نحو الشرق حسبما فعله والده الخليفة الناصر في قبلة جامع الزهراء ، لان أهل التعديل كانوا يقولون بانحراف قبلة جامع قرطبة نحو الغرب . فقال التجيبي للخليفة الحكم : « يا أمير المؤمنين ، إنّه قد صلّى إلى هذه القبلة خيار هذه الأمّة من أجدادك الأئمّة وصلحاء المسلمين وعلمائهم ، منذ افتتحت الأندلس إلى هذا الوقت ، متأسّين بأوّل من نصبها من التابعين كموسى بن نصير وحنش الصنعاني وأمثالهم . . . وإنّما فضل من فضل بالاتباع ، وهلك من هلك بالابتداع ، فأخذ الخليفة برأيه وقال ، نعم ما قلت وإنّما مذهبنا الاتباع » [ المقري ، 2 / 98 - 99 ] . وكان التجيبي صلبا في الحق يدور معه حيث دار ، ولا تأخذه في الله لومة لائم ، فعندما أخذت الشهادات على أبي الخير المسمى بأبي الشرّ الزنديق أفتى بعض فقهاء قرطبة بالأعذار له فيمن شهد عليه ، وأفتى التجيبي ، والقاضي البلوطي ، وابن المشاط أحمد بن مطرف ( ت 352 ه / 963 م ) بطرح الأعذار وتجريمه ، فأخذ الخليفة الحكم بفتوى التجيبي وأصحابه وأمر بإعدامه . وشاوره صاحب الردّ في أصحاب السوق الذين يؤدون الصلوات في دكاكينهم بإمام ويتثاقلون عن الحضور إلى المساجد فأفتى بمنع ذلك . وأفتى بإخراج ذباحي المجازر اليهود من مجازر المسلمين ، ومن مذهبه أنّه كان لا يمسح على الخفين في حضر ولا سفر ، ويفتي بجواز ذلك لمن استفتاه ، وكلمه في ذلك تلميذه قاسم بن أرفع رأسه في بعض الحملات العسكريّة الجهاديّة ضدّ الممالك الإسبانيّة الشماليّة في ليلة شديدة الريح والبرد ، وقد ضجر من فعله فقال له التجيبي ، لا أدفع ما تقول بحجة ولكن شيء ألفته ، ولا أستطيع تركه ؛ ولعلي أموت الليلة فأتناقض في مذهبي ، وما احتطت فيه لنفسي . قرأ عليه وروى عنه أكثر طلبة العلم في قرطبة وغيرها ، واشتهر من تلاميذه عيسى بن سعادة الفاسي ( ت 355 ه / 965 م ) ، ومحمد بن عبيد اللّه المعيطي ( ت 367 ه / 977 م ) ، وعبد الله بن عبد الوارث الطليطلي ( ت 373 ه /