المنجي بوسنينة
408
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
ثورة صوّرت خوافي ما ب * ين حنايا صبيّنا من رياح ولعل الصورة التي صورها التيجاني للطفل في هذه القصيدة ما هي إلا الصورة الحقيقية لنفسيته ، عندما كان يهب من نومه ساخطا في مسار رحلته إلى خلوة عمه ، صورة فتى كئيب المنظر تلطخت ثيابه بحبر دواته ، يسير في طرقات الحي ، مطرقا رأسه وبين حناياه ثورة مكبوتة . التحق التيجاني بالمعهد العلمي بأم درمان سنة 1924 م ، تبعا للمخطط الديني الذي رسمته أسرته ليسير على هديه . وفي المعهد بدأت مواهبه تتفتح ، مما جعل الشيخ أبا القاسم أحمد هاشم شيخ علماء السودان ، وعميد المعهد - آنذاك - يعجب بنجابته ونبوغه وفرط ذكائه . وقد كانت الفترة التي قضاها التيجاني في المعهد - رغم قصرها - فترة خصبة من حياته ، أوجدت له نوعا من الاستقرار ، ومكنته من أن يجد حلا مؤقتا لمشكلته المادية ، إذ كانت إدارة المعهد تصرف له ولغيره من الطلاب إعانة شهرية تعرف باسم « الجراية » . فاندفع يفكر في تنمية مواهبه ، بدلا من أن يجهد نفسه في تحصيل سبل معيشته وتدبيرها ، نظرا لظروف أسرته المادية . لقد أفاد التيجاني بوجوده في المعهد العلمي كثيرا ، خاصة باتصاله بالأستاذ المصري حسين منصور ، الذي أحضر لتدريس الرياضيات ، ولكنه كان شاعرا مجيدا ، بث في تلاميذه حب الشعر ، وشجعهم على نظمه والاطلاع عليه ، وقد وجد التيجاني في أستاذه حسين منصور ضالته وموجهه ومرشده ، فاندفع ينظم الشعر برعاية أستاذه الذي شجعه على كتابة الشعر التقليدي - وفق عمود الشعر العربي - بل ساعده على نشر قصائده على صفحات الصحف ، خاصة الجريدة التجارية المسماة لاحقا « ملتقى النهرين » التي كان يصدرها سليمان داود منديل ، ونشر فيها التيجاني قصيدة وجدانية ، بتاريخ 13 / 9 / 1931 بعنوان : « وحي الحب » ، مطلعها : لم لا يغذّينا الهوى بلبانه * أنا في الشباب وأنت في ريعانه ومن أبيات هذه القصيدة : قم فاسقني خمر الهوى وسلافه * واشرب بكأس من رحيق دنانه يا ابن البلابل رددت ألحانها * وأخا الهزار يجدّ في تحنانه غرّد تجد أذنا صغت ومشاعرا * أذنت وقلبا عاد من خفقانه وتغنّ يا ابن الصادحات من الجوى * والنازلات على معاطف بأنه هذا الهوى وأولاء نحن بروضه * أقلا نغرّد في ذرى أفنانه هكذا سار التيجاني على نهج أستاذه حسين منصور في التزام عمود الشعر العربي التقليدي ، وظهرت ملامح هذا النهج على إنتاجه الشعري الأول . ولكن التجاني ما لبث بعد أن تفتحت مواهبه ، وقوي عوده ، واطلع على الثقافة العربية الحديثة ، عن طريق مجلة « الرسالة » ومجلة « الثقافة » ، وتابع مقالات العقاد والمازني وطه حسين ، وإنتاج جماعة