المنجي بوسنينة
402
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
ولما برع في الكتابة عيّن منذ شبابه في سلك ديوان الإنشاء المختص في كتابة المراسلات الرسمية للدولة وتحرير الوثائق العمومية والتصديق عليها . ويبدو أنّ شيخه الشاعر الأندلسي ابن الأبار الذي طوّر فنّ كتابة الرسائل لدى الحفصيين هو الذي أثّر في منهج الترسل لديه . وبعد سنوات قليلة طلبه أمير بجاية الواثق باللّه أبو زكرياء يحيى بن أبي إسحاق فتحوّل إليه وتولى لديه كتابة العلامة السلطانية منذ سنة 684 ه / 1285 م ، وهذه العلامة هي « الحمد للّه والشكر للّه » وتكتب بين البسملة والتصلية ، ونص الرسالة . ولما تولى الأمير أبو يحيى زكرياء بن أحمد المشهور باللحياني خطة شيخ الموحدين وهي أعلى سلطة سياسية بعد سلطة الحاكم الحفصي ، أعاده إلى تونس وأسند إليه خطة عالية في ديوان الرّسائل الذي كان تحت إشراف أحمد بن الخباز المهدوي . وذلك زمن السلطان الحفصي أبي عبد اللّه محمد أبي عصيدة ( 694 - 709 ه / 1295 - 1309 م ) . وبقي التجاني في وظيفته في ديوان الرسائل رغم خروج الأمير زكرياء بن اللحياني إلى المشرق لأداء فريضة الحج سنة 706 ه / 1306 م بعد أن تدنّت مكانته السياسية إثر فشله في تخليص جزيرة جربة من الحصار الذي فرضه عليها الإسبان الأرغون القادمون من صقلية . وقد يكون التجاني قد واصل أداء مهمته إلى تاريخ وفاته رغم الهزات السياسية التي طغت على العصر آنذاك . وبالنسبة إلى قيمة التجاني العلمية والأدبية فنعرفها من خلال توظيفه في ديوان الرسائل لأن ابن اللحياني الذي استخدمه كانت له مشاركة في العلوم والأدب وكان يألف أهل العلم [ ابن القنفذ القسنطيني ، الفارسية في مبادئ الدولة الحفصية ، تونس 1968 ، 160 ] . كما نعرف مكانته الأدبية وقدرته البلاغية في كتابة الرسائل من خلال التعريف الذي وضعه له الأمير الأندلسي إسماعيل بن السلطان يوسف النصري الغرناطي في كتابه مستودع العلامة قائلا : « ومنهم - أي كتّاب العلامة - الكاتب الأديب صاحب القلم الأعلى محمد بن أحمد التجاني التّونسي ، صاحب الشعر النفيس ، المجرى واديه كنفيس ، الممتطي صهوة النثار ، والخائض في نقعه المثار ، وربّ الأحاجي المرموزة ، ومعدن سرّ الآداب التي ليست بمغموزة ، ومثبت حروفها الساكنة والمهموزة » [ مستودع العلامة ، 34 ] . ومن قدراته الأدبية كذلك قوله الشعر وتنظيمه . فلما كان ابنه أبو محمد عبد اللّه غائبا في الرحلة في ركب السلطان تشوّق إليه وكتب أبياتا شعريّة أرسلها له قائلا : حمّلتم القلب إذ جدّ الرّحيل بكم * من الصّبابة ما لا تحمل الإبل فلو سلكتم سبيل الحزم ما عجزت * إذ ذّاك منّي على دفع النّوى الحيل لكن عزائي ذهول يوم بينكم * كما يكابد من أحبابه رحلوا فالله يجمع منا الشمل عن عجل * فالخير أجمل ما في نيله العجل وتوفي محمد بن أحمد التجاني بمدينة تونس سنة 710 ه / 1310 م ، وتواصل الإبداع العلمي والأدبي في أعقابه .