المنجي بوسنينة
383
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
التبريزي ، أبو زكرياء يحيى بن علي ( 421 ه / 1030 م - 502 ه / 1109 م ) أبو زكرياء يحيى بن علي بن محمد الشيباني ، يعرف بابن الخطيب ؛ قال الحموي : « وربما يقال الخطيب ، وهو وهم » . ولد بتبريز ، وهي من أكبر مدن أذربيجان ، وفيها قضى سنوات حياته الأولى ، يتعلّم الأدب واللغة ، وكان كثير التنقّل إلى الحواضر طلبا للعلم ، فأخذ في بغداد عن أبي القاسم الرقي ، والدهّباني اللغوي ؛ وفي البصرة عن أبي الجوائز الحسين بن علي ؛ وفي جرجان عن عبد القاهر ؛ وفي دمشق عن الخطيب البغدادي ؛ وفي صور عن الفقيه أبي الفتح الرازي والدلال الساوي . وتتلمذ في الشام لأبي العلاء المعرّي ، فقرأ عليه مؤلفاته كلّها ، وكثيرا من أمّهات المصادر ، مثل تهذيب اللغة للأزهري ، ويروى أنه ذهب إلى المعرّة يحمل نسخة التهذيب على كتفه ، فأثّر فيه البلل بعد أن نفذ العرق إليها ، فإذا رآها أحد ظنّ أنّها غريقة . وزار التبريزي مصر في عنفوان شبابه ، وفيها قرأ عليه اللغويون من مثل طاهر بن بابشاذ النحوي ؛ واشتغل بالتعليم وصار شيخا يأخذ عنه أرباب العلم المعارف والشروح . وانتهى به الترحّل إلى بغداد ، فاستوطنها وعمل فيها مدرّسا بالمدرسة النظامية ، وقيّما لخزانة كتبها إلى أن توفّي . وكان تخرّج عليه كثيرون رووا عنه ، من أشهرهم أبو منصور الجواليقي والحافظ السلامي وسعد الخير الأندلسي ، فكان أحد الأئمّة القلائل الذين جمعوا بين علوم القرآن والحديث والتاريخ وعلوم النحو واللغة والأدب ، وعرفوا بالصدق والتثبّت والتوثّق في النقل ، فشاع ذكره في البلدان ، وقصده الراغبون في العلم . والطريقة الغالبة على مؤلفاته أن يشرح كلّ قصيدة أو مقطوعة بيتا بيتا على التتابع ، ومزيّة ذلك عنده التعرّف على إشكالات كلّ بيت والتوصّل إلى الغرض الذي يقصد إليه الشاعر ؛ وذلك خلافا لما درج عليه الشرّاح قبله ، إذ كانوا يوردون كل مقطوعة ، ثمّ يشرحونها جميعها مجملة ؛ وعاب التبريزي إغراقهم في الغريب والنحو والأخبار والإطالات والمعاني البعيدة عن الصواب ، وذكر في مقدمة شرحه للمفضّليات أنّ هدفه « الإيجاز والاقتصار على ما يعرف به ما في الشعر من الغريب والإعراب والمعاني ، دون ما يتشعّب من اللغة والإعراب لئلّا يشغل القارئ له والناظر فيه عن الغرض المقصود » ، وأكّد هذه المعاني في مقدمة شرحه لديوان أبي تمام ، قال : « فخير الشروح ما قلّ ودلّ ، ولم يطل فيملّ . . . واجتهد في التلخيص والاختصار من غير إخلال بالغرض » ، مع التخلّص من الأغلاط التي وقع فيها الضعفة من الرواة والجهلة من الناسخين الذين بدّلوا وغيّروا وصحّفوا ، وترجيح ما يستحقّ الترجيح من أقوال العلماء ، فبعضهم أنصف أبا تمام أو تعصّب له ، وبعضهم زيّفه أو عابه وأنحى عليه ، أغراهم بذلك أنّه أبعد