المنجي بوسنينة
372
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
الحضارات الكبرى في ذلك العصر . ففي هذا المناخ الثقافي المتفتح نشأ تاودوروس أبو قرة . فمن هو هذا الرجل ؟ وما هي إنجازاته الفكرية ؟ . اسمه ثاوذوروس ، وبعض المؤرخين يكتبه بصيغة ثاودوريكوس ، وبعضهم ثاوذوريطوس ، وكلها صيغ تدل باليونانية على معنى : عطاء الله أو كما نلفظها اليوم : عطا الله . أما لقب « أبو قرة » فقد نسبه إليه الكتاب العرب . وقد اعتقد بعض المستشرقين أن هذا الاسم ينسب صاحبه إلى المدينة التي عرف بها ، وهي حران . فطالما أنه كان أسقفا على هذه المدينة ، وأن حران تلفظ باليونانية كراي أو كران ، فإنه من المحتمل أن يكون لقب « أبو قرة » يعني الأب أو أسقف مدينة حران . ولكن هذا التفسير يبدو في نظر المتخصصين في تاريخ اللاهوت المسيحي أنه ليس دقيقا . وهم يردّون هذه اللفظة ، ليس إلى أصلها اليوناني وإنما إلى العادة التي كانت سائدة بين العرب في إطلاقها على كثير من الحرانيين . وهذا يعني أن هذا اللاهوتي قد اندمج في المحيط الحراني ، وأصبح معروفا هناك في الأوساط العربية والإسلامية . ولكن المؤرخين القدماء ، كانوا يطلقون عليه اسم أسقف حران ، وأحيانا المعلم اللاهوتي ، أو المعلم الفيلسوف . وهو من كبار الأئمة الخلقيدونيين الملكيين ( أو الملكانيين ) ، أي من الطوائف المسيحية المنضوية تحت مبادئ المجامع المسكونية الرسمية في الكنائس المسيحية ، وخصوصا المجمع المسكوني الذي عقد في خلقيدونية عام 451 م وصدر عنه الإيمان الخلقيدوني . يميل المؤرخون اليوم إلى التأكيد على نشأته بمدينة الرها ، في بلاد ما بين النهرين . أما مولده فهو غير معروف بالضبط ، إلا أنه من المؤكد أنه ولد في أواسط القرن الثامن الميلادي ، أي بين سنة 740 وسنة 750 م . واعتنق الحياة الرهبانية في دير مار سابا ، في فلسطين ، والتابع لكنيسة أورشليم . أما ثقافته الدنيوية قبل الرهبنة ، فليس من مراجع أو مخطوطات حتى اليوم تستطيع الإجابة على ذلك . ولكن من المؤكد أنه كان يتقن اللغة العربية ، ومطلعا عليها وعلى أصول الإسلام بصورة عميقة . وهذا يعني لدى بعض المؤرخين ، بأنه اكتسب هذه الثقافة عندما كان لا يزال طالبا للعلم بين الرها وبغداد ، حيث كانت تسود الثقافة العربية والإسلامية ، ومختلف التيارات الفكرية والدينية . وكان ثاودوروس يتقن الفلسفة والمنطق ، وقد ترجم إلى العربية كتب أرسطو في المنطق . كما تدل كتاباته على أنه كان يلم بعلوم الطب . أما اللغات التي كان يتقنها فهي اليونانية ، والسريانية ، والعربية . أما بعد ترهبه في الدير ، فقد تعمق في علم الكتاب المقدس وأفكار الآباء القديسين ، وخصوصا القديس يوحنا الدمشقي . إنّ مدينة حران مجاورة لمدينة الرّها موطن أبي قرة . وكانت لا تزال في ذلك الوقت مركزا فكريا ودينيا هاما . وكانت تنتشر فيها الثقافة اليونانية ، بكل ما تحتويه من علوم الفلك والرياضيات ، والطب ، والفلسفة ، والمنطق . أما المسيحيون الذين كانوا يسكنون حران ، فكانوا على مذهبين : اليعاقبة والخلقيدونيين الملكيين . فعندما عين أبو قرة أسقفا على حران ، أخذ يحاول رأب الصدع بين الطائفتين ، وذلك من خلال مواعظه وعلاقاته مع رجال الكنيسة اليعقوبية ، كما