المنجي بوسنينة
37
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
الثلاج ) ، وأحمد بن الحسين بن زيد بن فضالة البلدي ، وعزوز بن الطيب اليهودي البلدي . ثم كانت النقلة الكبرى في حياته حين ذهب إلى مصر والتقى بالوزير أبي الفرج يعقوب بن يوسف بن كلس وزير المعزّ الفاطمي ، وألّف له كتابه « تدبير الحبالى والأطفال والصبيان وحفظ صحتهم ومداواة الأمراض العارضة لهم » في حدود سنة 369 ه / 978 م ، وعاش بقية حياته في القاهرة يدرّس الطب ويعالج المرضى حتى وفاته . يستطيع قارئ نصوص كتابه « تدبير الحبالى والأطفال والصبيان وحفظ صحّتهم ومداواة الأمراض العارضة لهم » أن يلمس مذهبه في طريق البحث العلمي بوضوح ، فهو يضع في بداية الكتاب الأساس الفلسفي لطريقته في المعالجة والتدبير والتأليف . كما أنّ المتتبع لأقواله يخرج بنتيجة حتمية هي أنه كان يسير على نمط قريب من الطريقة العلمية الحديثة ، وخط سيره هذا مبيّن على أسس رصينة هي : - التحصيل النظري : استشهد بأقوال السابقين ، ونقل عن أغلبهم مدلّلا على سعة اطلاعه واستيعابه الواعي ، وتفهّمه الكامل بالكتب والمصادر المتوفّرة في زمانه . وبذلك أصبح كتابه خير مرجع لمن يريد أن يعرف ما كتبه السابقون في هذا الموضوع ممّن فقدت كتبهم الأصلية مثل روفس الأفسيس ، والأمانة العلمية في النقل صفة ثابتة في تأليفه ، وبجانب ذلك يلاحظ عدم تقيده بآراء السابقين حرفيا ، إذ نعثر في مواضع مختلفة نقدا لجالينوس أو مخالفة لرأي أبقراط . - المنهج التجريبي : اعتمد المنهج التجريبي في البحث العلمي القائم على الاستقراء والقياس والمشاهدة ، أو التجربة والتمثيل . - الشمولية في الموضوع : يعتبر كتاب البلدي أكمل وأشمل ما كتب من قبل الأطباء العرب في هذا الحقل لاحتوائه على مسألة العناية بالأم الحامل والولادة بجانب العناية بالطفل من الناحية الجسمية والنفسية والتربوية ، وكذلك لاحتوائه أمراضا لم يذكرها غيره من الأطباء العرب وغير العرب ممن سبقوه . ولقد اعتنى إلى جانب ذلك بعلم الأجنة ، فأفرد الأبواب ( من 12 إلى 18 ) لذلك ، حيث ذكر فيها آراء السابقين إضافة لآرائه التي جاءت قريبة من علم الأجنة الحديث . كما اعتنى بصحّة الطفل الجسمية في مستوى نوم الطفل واستحمامه وملابسه وفراشه وتغذيته وتطور حركات نمو الطفل . وانفرد البلدي بتأكيده على اختلاف تأثير العلاجات باختلاف الأشخاص ، وأكد على ضعف تأثير العلاج على الشخص نفسه بمرور الأيّام لتعوّده عليه ، وهي ملاحظة جديرة بالإكبار . كما أكّد في مواضع أخرى من كتابه على اختلاف تأثير العلاجات حسب اختلاف الأعمار . ويجهل الكثيرون أنّ البلدي هو أوّل من وصف مرض الحميقاء ( الجدري الكاذب - الجديري - جدري الماء Chicken Pox ) ، وتمكّن من تمييزه عن الجدري والحصبة ، وأعطى لكلّ مرض من هذه الأمراض وصفا منفصلا ، ودليلنا على أنه أول من اكتشفه هو عدم ذكر أوصاف هذا المرض من أحد من المؤلفين اليونانيين وكذلك العرب والمسلمين