المنجي بوسنينة
368
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
ونظائر هذه المسائل مع الرهبان كثيرة ، وهي مبسطة في مضامينها . ثم يقول المترجم له : « ولما رآني صغير السن وكان سني إذ ذاك نحو تسع عشرة سنة قال لي : تصلح أن تكون مثل ولد ولدي ، فمن أين جاءتك هذه المعرفة التامة ؟ فقلت له : جميع ما سألتني عنه هو من علوم البداية ، ولو خضت معي في علوم النهاية لأسمعتك ما يصمّ أذنيك ، وفي هذا القدر كفاية ؛ فترك المناظرة ورجع القهقرى ، وشاع صيتي في مالطة بين الرهبان والكبراء ، وكنت إذا مررت في السوق يحترمونني وما خدمت كافرا قط . وكان سبب خلاصي رؤيا مبشرة ؛ ومن يومها ركبت سفينة النجاة متوجها للإسكندرية ، ثمّ منها إلى القاهرة بمصر ، ثمّ سافرت للحجاز مرارا ، ودخلت اليمن وعمان والبحرين والبصرة وحلب ودمشق وتوجهت للروم ، ثمّ ألقيت عصا التسيار في بيت المقدس ، وسكنت بها ، وتأهلت سنة 1172 ه / 1758 م » . وبقي بها إلى أن توفي لابسا ثوب الأبرار الصالحين ، وتلقاه أهلها بالتكريم والإجلال والتعظيم ، وأقام بها عاكفا على درس التفسير والحديث النبوي الشريف بالحرم القدسي داخل القبة الصخراء المشرفة فأقبل عليه الناس من جهة ، وازدحموا حول دروسه . وكان يفر من الموالي والحكام ، ويتباعد عنهم وهم يترجّون التقرب منه ويقفون على بابه مرارا ولا يجتمع عليهم ، ولا يلتفت إليهم ، فزاد مقامه عند الناس ، وارتفع قدره عندهم . وقد قدم الوزير عبد اللّه بن إبراهيم الشهير بالجنجي إلى القدس الشريف وأراد الاجتماع بالشيخ ، وجدّ في ذلك وترجاه أعيان هنالك ، فلم يقبل وامتنع وردع الوسائط ومنع . وجاءته الفتيا وهو لها كاره ، وأنشد قول من قال : إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته * على طرف الهجران إن كان يعقل ويركب حدّ السيف من أن تضيمه * إذا لم يكن عن ساحة السيف مزحل أما نظمه فهو رائق جيد كقوله مذيلا على بيت امرئ القيس : قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل * بسقط اللوى بين الدخول فحومل قفا بربوع العامرية إنني * كلفت بها من حين عهد التحمّل ولوذا بها ثم انشقا طيب عرفها * وقصّا حديثا للاسيف المعلّل فيا سائق الأضعان يطوي فدا فدا * إلى دوحة الجرعى رويدك فانزل بحيرة نجد سادة الحي كم روت * ثقات لهم طيب الحديث المسلسل فديتهم من جيرة لا عدمتهم * حماة زمام للنزيل المململ لنارهم تعشو السراة وترتوي * بحوضهم الأصفى على كل منهل سقتهم غريقات التهاني كرامة * وأخصب واديهم بندّ ومندل ونادى بشوق مذ غدا الركب سائرا * قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل