المنجي بوسنينة
317
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
وفي علم الحديث ، فقد انفرد البيهقي في عصره بالحفظ والاتقان والضبط . وكانت له مرويات في السنة النبويّة وأسانيد عالية فيها ، كما كانت له معرفة بعلل الحديث سندا ومتنا . فكان بذلك محلّ ثناء علماء الجرح والتعديل وتوثيقهم . وقد جمع البيهقي مروياته في كتابه المشهور « السنن الكبير » أضاف به لبنة في صرح تدوين السنّة النبوية . ومثل البيهقي فيما وصل إليه في المجال العلمي لا بدّ أن يكون له تلاميذ كثر ، فكان تلاميذه العلماء قبل الطلبة المبتدئين ، فقد طلب منه أئمّة نيسابور الانتقال إليهم من بيهق لسماع كتابه « معرفة السنن والآثار » وبقية كتبه ، فرحل إليهم ، وأعدّوا له مجلس العلم ، وحضره العلماء والأئمة . ومن أشهر من أخذ عنه الحديث وتفقّه به وأفاد من علمه ، مباشرة أو بالإجازة ، زاهر الشحمي ، ومحمد الفراوي وعبد المنعم القشيري ، وشيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري ، وولده إسماعيل بن أحمد ، والحافظ أبو زكريا بن مندة ، والحافظ ابن عساكر ، وابن السمعاني . ومع ما عرف به البيهقي من نبوغ علمي وتفوّق في الحفظ والفهم ، فقد عرف أيضا بورعه وزهده وتقواه ، شأن علماء هذه الأمّة ، ما يزيدهم الصعود في مدارج المعرفة إلّا قربا من الله تعالى واستعلاء عن ملذّات الدنيا ومظاهرها . وقد توفّي بنيسابور في 10 جمادى الأولى سنة 458 ه . ونقل تابوته إلى بيهق - رحمه الله تعالى - . يؤكّد الأسنوي أنّ البيهقي بدأ التأليف في سنّ مبكّرة ، سنة 406 ه / 1016 م أي في سنّ العشرين . وقد تنوّعت مؤلفاته بحسب اختلاف العلوم الشرعية - عقيدة ، فقه ، حديث ، تفسير ، سير ، لغة - . وهي تختلف بين الطويل بالغ الطول ، والقصير ، حتّى قيل إنها بلغت ألف جزء . وهو ما يدلّ أبلغ الدلالة على موسوعيّته ، وكثافة المادّة العلمية التي يتصرّف فيها ، وطول نفسه في التأليف ، والجهد الكبير الذي بذله في جمعها وتنظيمها . وقد نفع الله بها المسلمين شرقا وغربا ، وعجما وعربا ، وقديما وحديثا . ومن منهجه أنّه جعل السنة النبوية وآثار الصحابة قاعدة التأليف في مختلف العلوم الشرعية التي ألف فيها . فالملاحظ أنها محور استدلاله على القضايا والأحكام التي يوردها ، عقيدة أو فقها ، أو غير ذلك . لذلك فهو يصنّف ضمن المدرسة الأثرية في الدراسات الشرعية . ومن أجل هذا الاتّجاه اشتهر البيهقي لدى المترجمين بكونه قد غلب عليه الحديث ، وقالوا : إنه صنّف فيه كثيرا . والحق إنه صنّف في الحديث كعلم مستقل ، وفي غير الحديث - كما سيأتي - ، ولكن على منهج المحدّثين الذي يقوم على ذكر الروايات بأسانيدها واختلاف ألفاظها . آثاره 1 - كتاب السنن الكبير ، المعروف بالسنن الكبرى ، وهو أهمّ مؤلفاته في الحديث ، دوّن فيه ما وصل إليه جهده في جمع السنة النبوية ، وآثار الصحابة ، بالأسانيد التي تلقّاها عن محدّثي عصره الذين سمع منهم . وقد شهد له العلماء فيما بعد بجودة التهذيب والترتيب في الكتاب ، وبأنه لم يصنّف أحد مثله ، لاستيعابه