المنجي بوسنينة

301

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

الميداني ، وخطيب الجامع الأزهر الشيخ إبراهيم السقا ، والشّيخ سليم العطار ، وغيرهم . ثم ختم حديثه عن مشايخه بقوله : « وإن الجميع ، بحمد اللّه ، قد أجازوا لي بالإجازة العامة بما تجوز لهم روايته عن مشايخهم الكرام وأساتذتهم السّادة العظام ، من جميع الكتب والفنون والعلوم الشرعية والحديثيّة والتفسيريّة والآليّة » . وقد قامت بينه وبين الأمير عبد القادر الجزائري - الذي اختار دمشق وطنا له بعد إخفاق ثورته - صداقة وطيدة ، وكان البيطار يلازمه ، وحين كان الناس يحتكمون إلى الأمير في بعض شؤونهم كان يحيل بعض القضايا إلى الشيخ عبد الرزاق ليفصل فيها ، فيكون قوله الفصل . وقد قرأ عليه الأمير جملة من الكتب منها « الفتوحات المكية » وعهد إليه تربية أولاده وتعليمهم ، ومنذ ذلك الحين انعقدت أواصر الصداقة بين الأمير محيي الدين ابن الأمير عبد القادر ، وبين الشيخ البيطار . ومنذ أن تمّت للشيخ عبد الرزاق أدوات العلم والتدريس تصدّى لتدريس العلوم الشرعية ، وكان يلقي دروسه العامة في جامع كريم الدين المعروف بجامع الدقّاق في حيّ الميدان ، موطن أسرته ، وكان يلقي دروسه الخاصّة في حجرته المخصّصة له في ذلك الجامع وكذلك منزله ، وكانت دروسه تتناول الفقه والحديث والتفسير ، وكان والده الشيخ حسن البيطار على التدريس والخطابة فيه ، ومنهم الشيخ محمد بهجة البيطار حفيد المترجم . كان الشيخ عبد الرزاق يجري في تعاليمه ودروسه على طريقة شيوخ عصره ، وكان ذلك العصر عصر جمود فكري ، يسيطر فيه على عقول الناس نفر من الشيوخ البعيدين في تفكيرهم وآرائهم الدينيّة عن جوهر الدين ، وكان الاجتهاد في أمور الدين أمرا غير سائغ في نظرهم ، ومن هنا كانوا يعارضون الأئمّة المجتهدين من أمثال محمد عبده والشيخ رشيد رضا وأمثالهما ، وحين قدم الشيخ رشيد رضا إلى دمشق أثاروا عليه العامة وألصقوا به تهمة الخروج عن الدين ، فاضطرّ إلى أن يعود إلى مصر من غده ، تلك كانت هي الأفكار السائدة في زمن الشيخ البيطار ، وكانت الدولة العثمانية تشجّع هذا التخلّف الفكري ، ولا تنظر بعين الرّضى إلى أفكار التجديد والتنوير ، لأن يقظة البلاد العربية من شأنها أن تؤدّي إلى رفض الهيمنة العثمانية ، وقد عاشت بلاد الشام في ظل هذه الهيمنة أربعة قرون ، فلم يسع الشيخ البيطار إلّا السّير في ركاب هؤلاء الشيوخ في تدريسه وتعاليمه وظلّ على هذا حتّى الخمسين من عمره ، حسبما يذكر حفيده الشيخ بهجة البيطار ، ونجد في بعض تراجمه في كتابه « حلية البشر » مديحا وثناء على السلطان عبد الحميد ودعاء لدولته بطول البقاء ، نحو قوله في ترجمة الأمير محيي الدين الجزائري : « حضرة مولانا بهجة الأنام وروح جسم الليالي والأيام ، السلطان عبد الحميد خان ، أيّد الله صولته وأيّد دولته » [ حلية البشر ، 7 / 1443 ] . ثمّ شاء اللّه أن يفتح بصيرة الشيخ على حقائق الدين ، ويبصّره بأمور الجهالات والضلالات التي سادت في زمنه ، ولعلّ لتعاليم الإمام محمد عبده والشيخ رشيد رضا وأمثالهما من المصلحين أثرها في هذه الصحوة . فإذا به