المنجي بوسنينة
231
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
بالإشراق أو الامتزاج أو الانقلاب على نحو ما ذهبت إليه الفرق المسيحيّة المختلفة . وذهب البياضي أيضا إلى القول بأنّ اللّه تعالى لا يحلّ في الأشياء ذاتا كما زعم المتصوّفة وأنّه تعالى لا يحلّ فيها ذاتا أو وصفا كما زعم بعض غلاة الشّيعة حين قالوا : « إنّه لا يعدّ ظهور الباري في صورة بعض الكاملين وأولى النّاس بذلك عليّ وأولاده المخصوصون الّذين هم العلم في الكمالات العلميّة والعمليّة ، ولهذا كان يصدر عنهم في العلم والأعمال ما هو فوق الطّاقة البشريّة » . ويرى البياضي أنّ قول الفرق الثّلاثة : النّصارى والصّوفيّة والشّيعة ناشئ عن الجهل العظيم بامتناع اتحاد الاثنين ، ولزوم كون الواجب هو الممكن ، والممكن هو الواجب ، وأنّه محال بالضّرورة وبأنّ الحال في الشّيء يفتقر إليه في الجملة سواء كان حلول جسم في مكان ، أو عرض في جوهر ، أو صفة في موصوف ، والافتقار ينافي الوجوب ، وبأنّه لو حلّ في جسم ، فإمّا في جميع أجزائه فيلزم الانقسام ، أو في جزء فيه فيلزم أن يكون أصغر الأشياء وكلاهما باطل بالضّرورة ، وبأنّه لو حلّ في محلّ ، فإمّا مع وجوب ذلك فحينئذ يفتقر إلى المحلّ ويلزم إمكانه وقدم المحلّ بل وجوبه ، لأنّ ما يفتقر إليه الواجب أولى بأن يكون واجبا ، وإمّا مع جوازه ، وحينئذ يكون غنيا عن المحلّ ، والحال يجب افتقاره إلى المحلّ ، فيلزم انقلاب الغني عن الشّيء محتاجا إليه ، وهو باطل بالضّرورة [ إشارات المرام ، 112 - 113 ] . وفي إشارة البياضي إلى مسألة العلم الإلهي ذهب إلى القول بإثبات علمه تعالى الشامل لجميع الأشياء بوجوه ثلاثة ، هي : - الوجه الأوّل : إثباته بخلقه للأشياء ، فإنّه يقتضي معلوميّة الأشياء قبل أن تخلق . - الوجه الثّاني : إنّه يدلّ على قدرة الخالق أي كونه فاعلا بالقصد والاختيار ، لأنّ الخلق إيجاد عن عدم ، ولا يتصوّر الفعل بالقصد والاختيار إلّا مع العلم بالمقصود . - الوجه الثّالث : إنّ الخلق البديع يدلّ على علم الخالق . وفي رأيه أنّ خلقه تعالى متقن مشتمل على الصّنع الغريب والتّرتيب العجيب ، وكلّ من كان فعله كذلك فهو عالم ، والإقرار بذلك أمر ضروري ، وهو أمر ظاهر لمن نظر في الآفاق والأنفس وارتباط العلويّات بالسّفليّات ، وما أعطى الحيوانات من الأسباب والآلات المناسبة لمصالحها ، وما أعطى النّحل والعنكبوت من العلم بما يفعله من البيوت بلا آلة ، كما دلّ قوله تعالى : وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً [ النحل : 68 ] . وفي معرض تفرقة البياضي بين الواجب والممكن يرى أنّ اللّه هو الواجب لذاته والممكنات موجودة ولا بدّ لها من علّة ، وهو في تقريره على طريقة الإمكان يقول إنّ الممكنات موجودة ، ويستحيل وجودها من نفسها وقيامها بلا موجد أو محدث ، بل لا بدّ من وجود واجب ، لأنّه إن كان ممكنا فلا بدّ له من علّة وهكذا ، فيستمرّ الدّور أو التّسلسل وكلاهما باطل ، وإليه يشير إطلاق استحالة قيام العالم بنفسه لشموله القيام بالتّسلسل أو الدّور على نفسه . وقدرة اللّه تعالى في رأي البياضي شاملة