المنجي بوسنينة

229

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

ويمكننا الوقوف على جوانب من آراء وأفكار كمال الدين البياضي من كتبه المشار إليها آنفا وبخاصّة كتابه الشّهير « إشارات المرام من عبارات الإمام » . وقد شرح البياضي بهذا الكتاب مختصره المسمّى « الأصول المنيفة للإمام أبي حنيفة » وهو الكتاب الّذي جمعه من نصوص كتب الإمام أبي حنيفة الّتي أملاها على أصحابه . والمطالع لكتاب « إشارات المرام » للعلّامة البياضي يجده مقسّما إلى ثلاثة أبواب تدور حول الذّات الإلهيّة : ذاتا وصفات ، فتحدّث على التّوالي على وجوب معرفة اللّه بالاستدلال ، وأتبعها ببيان الصّفات الذّاتيّة ، واختتم حديثه في هذا الكتاب ببيان الصّفات الفعليّة . ومعرفة اللّه عند البياضي واجبة بالنّظر والاستدلال ، وفي ذلك يقول : « فأوّل الواجبات على المكلّف النّظر والاستدلال المؤدّي إلى المعرفة باللّه وبصفاته وتوحيده ، وعدله وحكمته ، ثمّ النّظر والاستدلال المؤدّي إلى جواز إرسال الرّسل ، وتكليف العباد ، ثمّ الاستدلال المؤدّي إلى ثبوت الإرسال بدلالة المعجزات ، وثبوت الأحكام والواجبات ، ثمّ الاستدلال المؤدّي إلى تفضيل أركان الشّريعة لأهله ، ثمّ العمل بما يلزمه على شروطه فيهما » . ويرى كذلك أنّ معرفة اللّه تعالى بدليل إجمالي يرفع النّاظر من حضيض التّقليد فرض عين على جميع المكلّفين ، وأنّه أوّل الواجبات المقصودة بالذّات [ إشارات المرام ، 76 ، 84 ] . والعقل - كما يقول البياضي - آلة لمعرفة الوجوب الثّابت للّه تعالى ، ولمعرفة الحسن اللّازم له . لا موجب كما قالت المعتزلة ، وهو معتبر وآلة لمعرفة ذلك بدون السّمع ، بل والعقل عنده هو النّفس النّاطقة من حيث توجّهها أو قوّة لها ، فعلى الأوّل : هو جوهر يدرك به الغائبات بالوسائط ، والمحسوسات بالمشاهدة ، كما في أصول الإمام « أبي القاسم اللامشي » . وعلى الثّاني بيّنة الإمام « فخر الإسلام البزدوي » بقوله : إنّه نور يبتدأ به من منتهى درك الحواس فيبدو به المدرك للقلب والنّفس النّاطقة ، فلا يردّ أنّ الجوهر المذكور هو النّفس النّاطقة بعينها ، والنّفس والقوّة متغايران عرفا ولغة ، وأنه لو كان جوهرا لجاز أن يكون عقلا بلا عاقل ، ومحلّه القلب ، كما دلّ قوله تعالى : فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها [ الحجّ : 46 ] . يوضّح البياضي أنّ ما ذكره صدر الإسلام محمد البزدوي من أنّ محلّه الرّأس عند عامّة أهل السنّة ، فالمراد محلّة بمعنى مبتدئه ، كما بيّنه أخوة فخر الإسلام لا محلّ أصله ، وأختاره الإمام « أبو المعين النسفي » كما في شرح التحرير [ إشارات المرام ، ص 78 ] . أمّا الوجود فهو عين الموجود فيما يرى البياضي ، يؤكّد ذلك بقوله : « إنّ الوجود عين الموجود كالوجوب ، فإنّه المتبادر من التّمثيل ، وإنّه معلوم بداهة ، وقد ينبّه عليه بأنّه التحقّق حقيقة مخصوصة ، وأنّه الثّابت العين ، وأنّه ما يعلم ويخبر عنه ، وأنّه المنقسم إلى فاعل ومنفعل » . والوجود كذلك هو التّحقّق في الأعيان دون الأذهان ، لذا قيل : « الأشياء