المنجي بوسنينة

175

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

البواردي ، محمد بن إبراهيم بن سعد ( 1319 ه / 1901 م - 1404 ه / 1983 م ) علماء الإسلام لم يكونوا في عصورهم الأولى يقتصرون في معارفهم ، على علم معين بل يأخذون من كل فن مما توفر حولهم ، ويرحلون إلى كل معرفة ، يجدون إليها سبيلا ، فإذا أخذوا هذه المعارف الموجودة حولهم ، وجلسوا للقضاء ، انشغلوا به عن التأليف ، واكتفوا بما يتوفر من وقت بالجلوس للطلبة . وشيخنا المترجم له : محمد البواردي ، نموذج من تلك الأجيال : فهو عالم شاعر ، وهو قاض مرح ، وهو ممن يستعمل الفراسة في السياسة الشرعية . ولد الشيخ محمد بن إبراهيم بن سعد بن عبد الكريم البواردي عام 1319 ه / 1901 م ، في شقراء حاضرة أقليم الوشم ، وفيها نشأ حيث أخذ مبادئ القراءة والكتابة ، في كتاتيب عبد اللّه بن عبد الرحمن البواردي ، وحفظ قسطا كبيرا من كتاب اللّه ، ثم بدأ الدرس في حلقة الشيخ عبد اللّه بن عمار ، والشيخ عبد اللّه ابن حمد الدوسري ، المعروف ب « الحجي » ؛ وفي اللغة العربية درس القواعد والصرف ، والعروض على الشيخ ناصر بن سعود بن عيسى ، المعروف ب « شويمي » . ينتمي الشيخ محمد إلى قبيلة بني زيد من قحطان ، وقد بدأت عليه علامات النجابة والذكاء ، وحب العلم من حداثة سنه ، ولما كان أبوه يتعاطى التجارة ، فقد حرص على أن يسلك به مسلك أترابه من أبناء التجار ، حتى ينتهجوا طريق آبائهم . . فأرسله أبوه بعدما كبر ، مع رجل من التجار لكي يتعلم أساليب التجارة ، حيث كانت المواصلات ذلك الوقت على الإبل ، كما هي عادة الآباء في توجيه أبنائهم ، وتهيئتهم للمهنة المتوارثة ، حيث يجرئه على الأسفار والغربة ، والتعرض للمخاطر وذلك قبل استباب الأمن على يد موحد الجزيرة الملك عبد العزيز . وبذلك يتعود على أسلوب التعامل مع الآخرين ، لأن غير الأب لا تسوقه العاطفة فيحنو عليه ، أو يراعي أحاسيسه بعدم الإثقال عليه في الأوامر . هذا ما أراده والده له ، ولكن الله أراد لهذا الشاب طريقا آخر ، طريقا ترنو إليه نفسه ، ويتطلّع إليه فؤاده ، الذي يريد شيئا غير التجارة المادية ، فهو يريدها تجارة أكثر نفعا ، وأعظم فائدة . ولما كان الشيخ لم يتهيأ للتجارة ، إذ كان هاجس العلم يراوده ، منذ تفتحت عيناه ، ونما عقله في بلده شقراء ، حيث جلس في حلقات المساجد المتيسّرة ، برغبة في المعرفة ، تسوقه إلى البحث عن منابع العلم فسمت نفسه ، وهو لا يزال صغيرا ، وأدرك منه والده هذه الرغبة ، فشجّعه على الرحيل للرياض ، حيث مجالس العلماء ، وحلقات المشايخ الكبار في علمهم ، عاملا بالحكمة : اعملوا فكل ميسر لما خلق له .