المنجي بوسنينة
35
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
المؤرّخ كورغلي ( أمّ محلّية وأب من أصل تركي ) استقرّت عائلته بباجة حيث ولد ، وقد أصيبت العائلة بمحنة أولى في عهد محمد باي بن مراد نفي على إثرها الكورغلية من هذه المدينة ، وإذ كان محمد الصغيّر الأب لوّاجا ( من شرطة الأسواق ) بافريقية وعارفا بالتالي بمداخل هذه المنطقة وخباياها فقد كان يقيم عند أحبابه نهارا ويعود زوجته ليلا متخفّيا حتّى انجلاء المحنة ، بما مكّنه من ردّ أملاكه بالشراء مثلما فعل غيره من الكراغلة إثر بيعها بأبخس الأثمان تنكيلا بهم . ويفيدنا محمد بن محمد الصغيّر بن يوسف الباجي بأنه كان في وضع اجتماعي ميسور في أوّل حياته ، إذ كان مالكا لعقارات فلاحية ويشغّل بضيعته عديد المزارعين ( خمّاسة ) فضلا عن اهتمامه بتربية المواشي وامتلاكه عددا لا يستهان به من حيوانات الحرث والجرّ . غير أنّ هذه الثروة بدأت في التناقص فالإتلاف بفعل اندلاع تغيّر الظرفية المحليّة والدوليّة منذ 1727 - 1728 م . وممّا ضاعف الرزيّة أنّ عليّ باشا قد أمر بقطع رواتب الكورغليّة منذ وصوله السلطة ( 1740 م ) بدعوى تعاطفهم مع حسين بن عليّ ، كما أجبرهم على استيطان مدينة تونس قسرا سنة 1746 م خوفا من دعمهم لأبناء حسين بن عليّ عند محاولتهم الأولى استرجاع السلطة بدعم من الجزائريين ، إذ خرج المترجم له من قرية باجة غنيّا فرجع إليها بعد عام فقيرا . ولم تكن حياة المترجم له سوى مرآة مصغّرة لواقع البلاد التي عرفت خلال الربع الأوّل من القرن الثامن عشر شكلا من أشكال الرخاء النسبي ، على حين شهدت تراجعا تدريجيّا إثر ذلك بفعل تتالي الصراعات السياسية بين أجنحة السلطة ونهب قوة العمل من قبل مراكز القوى وممثليهم من عسكر ومخازنيّة ، وهو ما عبّرت عنه جلّ تآليف محمد بن محمد الصغيّر بن يوسف ذاته من خلال إيراده معلومات طريفة حول تطوّر الأسعار وكميّات الإنتاج وقيمة العملة ، وتطوّر المعاملات التجارية بالداخل والخارج والتحوّلات الخاصّة بمسالك التوزيع . . . إلخ . كما أنّ تشيّع المترجم له إلى الشقّ الحسيني ومحاربته عرضا في صفوفه ( معركة سمنجة ) ، أورث بعض الوهن عند أنصار الشقّ المقابل ، ومثل ذلك خلّف الافتقار التدريجيّ فضلا عن الانهيار الاجتماعي ، سيّما أنّ البايات الحسينيين العائدين إلى السلطة كانوا غير قادرين على إعادة الاعتبار بسرعة إلى الشرائح الداعمة لهم بفعل التزاماتهم المالية وغيرها لحكّام الجزائر . ولم ينتسب محمد بن محمد الصغيّر بن يوسف إلى دار علم أو إلى نخبة علمية حتى نجد ارتياده مسلك التأليف والكتابة أمرا طبيعيّا ، بل يبدو أنّ تتالي خيبات الرجل السياسيّة وتناقص موارده المالية والاقتصادية فضلا عن تردّده على العاصمة قسرا أو عن طواعية قد أحوجه إلى ارتياد هذا الميدان . غير أنّ انطلاقه سنة 1177 ه / 63 - 1764 م في تأليف « المشرع الملكي » ، قد يكون ارتبط بحدثين هامّين حصلا سنة 1176 ه / 62 - 1763 م . ويتمثّل الحدث الأوّل في تجدّد خروج بعض المناطق الداخلية هذه السنة على السلطة المركزيّة ومعاودة جبل عمدون بالذات الانتفاضة ، مما ألجأ السلطة إلى استعمال المحلّة لقمع الخارجين وتغريمهم . أمّا الحدث الثاني فيتمثّل في تغافل السلطة