المنجي بوسنينة
27
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
مقاومة الوسط ، فعوّض علاقة النسبة بعلاقة الفرق ، أي بطرح قوّة الوسط من قوّة المحرّك . وبهذا النحو يكون قد تلافى المأزق الأرسطي الذي أشرنا إليه ، فلو افترضنا جسما يتحرّك في فراغ ، أي في وسط كثافته صفر ، لبقيت سرعته هي نفسها واحدة وثابتة يحددها ثقل المحرّك فقط . لقد كاد يدافع عن وجود الفراغ ، ولكنّه لم يفعل ذلك صراحة . وقد مكّنته نظريّته المبتكرة هذه من الإقدام على مغامرة جديدة تمثّلت في محاولة الخروج عن فلك بطليموس ، فألغى فلك التدوير في مقابل القول بأفلاك خارجة عن المراكز . عارض ابن باجة « الغزالي » الذي قال في كتابه « المنقذ » « بالخلوة ينكشف للإنسان العلم العقلي ، ويرى الأمور الإلهيّة فيلتذ لذة كبيرة » ، وقال إنّه خدع نفسه وخدع الناس . كما نقد « ابن سينا » فيما ذهب إليه من أن انكشاف الأمور الإلهية والاتّصال بالملأ الأعلى يحدث التذاذا عظيما ، وأنّ هذا الالتذاذ هو للقوّة الخياليّة لا غير . تأثّر ابن رشد بهذه الآراء ، كذلك كان لها أثر كبير عند الفرق المسيحيّة وفلاسفة الكنيسة ممّا جعل القدّيس توماس ، وألبرت الأكبر ، يؤلّفان رسائل خاصّة لإبطالها . وكان أن حمل عليه بعض معاصريه فقالوا إنّه : « قذي في عين الدّين وعذاب لأهل الهدى » . جاء في كتاب « قلائد العقيان » للفتح بن خاقان : « وقد اشتهر ابن باجة بين أهل عصره بهوسه وجحوده واشتغاله بسفاسف الأمور . ولم يشتغل بغير الرياضيّات وعلم النجوم ، واحتقر كتاب اللّه الحكيم وأعرض عنه . وكان يقول بأنّ الدهر في تغيّر مستمرّ ، وأنّ لا شيء يدوم على حال ، وأنّ الإنسان كبعض النبات والحيوان ، وأنّ الموت نهاية كلّ شيء . . . » [ طوقان ، العلوم عند العرب ، ص 181 ] ؛ ويرى « مونك » : « أنّ نظريّة ابن رشد في العقل والخلود التّي أثار بها ابن رشد أوروبا النصرانيّة ، إنّما هي نظريّة ابن باجة . . » . ويقول « رينان » : « ولا ريب أنّ ابن باجة من أعاظم الذين عملوا على ازدهار عصرهم ومن الذين حرصوا أن تبلغ الفلسفة العقليّة فيه المستوى الذي بلغته . . . » . آثاره ترك لنا أبو بكر تراثا متنوّعا يجمع بين العلم والفلسفة والشعر ، وإن كانت كتبه وجيزة ورسائله مختصرة ، لا تتعدّى الصفحة الواحدة أحيانا . وتنقسم أعماله إلى شروح وأعمال أصيلة . تناولت شروحه أعمال أرسطو الطبيعيّة والنفسيّة ، وتناولت أعمال الفارابي المنطقيّة ، وأعمال أبو قراط وجالينوس الطبّيّة . أمّا رسائله وأقواله الأصيلة فتؤسس لفلسفته وتفكيره العلمي الخاص . هذا وتحفظ لنا كتب الرجال والطبقات ديوانا شعريّا غنيّا ومتنوّعا . وتذكر لنا المصادر القديمة والتراجم الحديثة أنّ ابن باجة ترك ما يقرب من 71 من الكتب والرسائل والأقوال ، تغطّي مجالات الموسيقي ، والرياضيّات ، والفلك ، والمنطق ، والطبيعيّات ، والطب ، والنفس ، والعقل ، والعلم المدني . وقد عرف جلّ الكتابات الباجيّة طريقها إلى النشر في أكثر من تحقيق واحد . وهناك ما هو محقّق ولم يعرف طريقه إلى النشر بعد ، كتعاليقه وشروحه الطبيّة ،