المنجي بوسنينة
8
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
الإشبيلي . هكذا تألقت شخصية ابن حجاج العلميّة في ظلال هذه المدرسة الفلاحيّة الإشبيليّة الموصولة الروابط بطليطلة الدنونية والممتدّة الجسور نحو غرناطة الزيريّة . ومن أبرز مصنّفات ابن حجاج كتاب « المقنع في الفلاحة » الذي وضعه بإشبيلية سنة ( 466 ه / 1073 م ) . ويتضمن هذا الكتاب خلاصة آراء الحكماء القدامى وعصارة تجارب علماء الفلاحة السابقين ، فضلا عن إسهامات علماء مشرق دار الإسلام خلال القرون الهجريّة الأولى . وتقدر مجمل المصادر التي اعتمد عليها ابن حجاج في وضع كتابه بثلاثين علما من أشهر حكماء الإغريق وعلماء الهند والروم وغيرهم من المختصين في الفلاحة والنبات وعلوم الطبيعة ، على مدار العصور الخالية إلى زمن المؤلف . لم يقتصر دور ابن حجاج على استقصاء المعارف الفلاحيّة الموروثة عن الأمم والحضارات القديمة وجعلها في متناول عامة الفلاحين بالأندلس ، بل اندرج على إخضاع خلاصتها لمحك التجربة . وهو ما باشر تدبيره بإقليم الشرف المطل على الحاضرة وبغيره من حقول التجارب الفلاحيّة بالمملكة العباديّة . ولا غرو ، فقد اشتهر بنو حجاج بكثرة ما توارثوه من مستغلات واكتسبوه من ضياع بمجمل غرب الأندلس . وبجمعه بين العمل والنظر وربطه الحكمة بالتجريب ، اتضحت مكانة ابن حجاج المتميّزة في سياق تاريخ علم الفلاحة والنبات والبيطرة بالأندلس ؛ إذ يحتل موقعا وسطا بين « أصحاب التقليد من أهل الفلاحة » الأندلسيين الذين اقتصروا على بعث المعارف القديمة وإثبات آراء الحكماء الأوائل ، وبين المتأخرين ممن آثر المنهج التجريبي . ومن المعلوم أنّ الشروع في فصل العلوم التجريبيّة عن أبعادها الفلسفيّة في الحضارة العربيّة الإسلاميّة ، ابتداء من منتصف القرن الخامس الهجري ، قد أسفر عن الميل جملة نحو إيثار الأعمال التطبيقيّة والجوانب التقنيّة . وهو ما يتضح من قول محمد بن مالك الطغنري بأننا لم نثبت في فلاحتنا إلّا « بمقدار ما انتهت إليه طاقتنا وبلغ تجريبنا » . وبالمثل ، لم يتردد ابن العوام عن الإقرار : إنّني « لا أثبت شيئا من رأي إلّا ما جربته مرارا فصح » . وبصرف النظر عما يتضمنه كتاب « المقنع في الفلاحة » من معلومات بيطريّة ، فقد عمد ابن حجاج إلى إفراد كتاب متخصص في هذا الحقل ، يجمع أيضا بين الحكمة والتجريب . وهو ما كشف عنه بالقول في سياق تناوله لتربية المواشي : « وقد ذكرت ذلك في كتابي في البيطرة وتقصيته في جميع الحيوان على ما وجدت الفلاسفة متفقين فيه ، ولم آل إليه الاجتهاد ، ولا معنى لإعادة معنى واحد في كتابين » . إلّا أنّ كتاب ابن حجاج في البيطرة ما زال إلى اليوم في حكم المفقود . وبقدر ما استفاد ابن حجاج الإشبيلي من آراء علماء الفلاحة السابقين ممن يندرج ضمن أهل النظر ، بقدر ما أثر في توجيه اللاحقين من أهل التجربة والتدريب . يتضح ذلك من خلال دأب المتأخرين من أهل الفلاحة الأندلسيين على الأخذ عنه . ويقدم أبو زكريا يحيى بن العوام الإشبيلي أبرز مثال بهذا الخصوص ، إذ عمد إلى تضمين مجمل فصول كتاب « المقنع في الفلاحة » في متن كتابه