المنجي بوسنينة

51

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

تاريخا ، وإسنادا ، ونسخا ، وتصحيحا ، وضبطا ، حافظا للألقاب والأسماء والكنى ، فتصدّر في فنون العلم ؛ وكان كثير النصيحة ، حريصا على الإفادة : فنفع وأدّب ، وخرّج وهذّب . . . » [ المرقبة العليا ، 142 ] . وقد ابتدأ أول أمره بالتدريس في المسجد القريب من سكناه احتسابا ، ثم تقدم في مجال الخدمة العامة على نطاق مدينته ، فأصبح من مشيختها ، ناظرا في أمور العقد والحل ، ومصالح الكافة ؛ ثم ولي القضاء بها ، فأظهر الصرامة والشدة ، وترك الهوادة ، وأنفذ الحق ، الأمر الذي ألّب عليه الكثير من الحساد والواجدين ، فنسبوا إليه أمورا حملته على الخروج من مالقة . ولم يكن أمام الأشعري المالقي سوى التوجه إلى مدينة غرناطة ( Granada ) ، التي أصبحت قبلة علماء الأندلس ، بعد أن استقرت فيها أوضاع دولة بني نصر . فبقي فيها فترة يسيرة ، ما لبث بعدها أن اشتهر نتيجة علمه واجتهاده ، فقدّم للخطبة بالمسجد الجامع الأعظم ، ثم ولي قضاء الجماعة ، وهو أكبر منصب قضائي في الأندلس . وهنا أيضا قام الأشعري بدوره على أحسن وأشد ما يكون ، فصدع بالحق ، وجرّح الشهود ، وزيّف عددا كبيرا منهم . فاستهدف بذلك إلى عداء الكثيرين ، وناله مشقة وتعبا وكيدا عظيما ، حتى أنه كان يمشي إلى الصلاة في الليل ، وهو غير آمن على نفسه . ولكنه مع ذلك استمر على نهجه القويم ، ونال تأييد سلطان البلاد أبي الحجاج يوسف الأول بن إسماعيل ( 733 - 755 ه / 1333 - 1354 م ) ، الذي وجد فيه رجلا صلبا لا تلين قناته ، ولا ينثني عوده . وعلى الرغم من مشاغل القضاء ، استمر الأشعري في التدريس والإقراء ، وتصدّر لبث العلم في حضرة غرناطة . فكان يدرس العربية ، والأصول ، والفقه ، وإقراء القرآن ، وعلم الفرائض والحساب ، وعقد مجالس الحديث ، شرحا وسماعا . وكان من أشهر تلاميذه ، العالم الأندلسي المعروف لسان الدين محمد ابن الخطيب المتوفى سنة 776 ه / 1374 م ، وأبو الحسن بن الحسن النباهي ، والأستاذ أبي سعيد بن قاسم بن لب ، وأبو محمد بن عبد المهيمن بن محمد الحضرمي السبتي ، الذي وصف أستاذه في مشيخته ، بالإمام العدل النزيه العالم الخاشع الشهيد الفاضل [ التنبكتي ، نيل الابتهاج ، 238 ] . وقد اقتدى معظم تلاميذه بسجايا أستاذهم ، الذي كان عديم المبالاة بالملبس ، عزيز النفس ، فصاروا على هيئة متميزة من لباس واقتصاد ، وجهد واجتهاد . وكان ينصحهم ، بعد تقوى الله العظيم ، بخصال منها : عدم الكتابة بخط دقيق الحروف ، لأنه يضر بالأبصار ، ويقلل انتفاع الناس به ، وأن يتمعّنوا فيما يقرؤونه من كتب الشيوخ ، ويكونوا من الديانة والدراية بمثابة من يقبل قوله فيما يدعيه ، ولا يكذب فيه . وكان يقول لهم أيضا بأن القاضي الجيد ، هو الذي يعرف بشكل تفصيلي كيفية التوثيق ، وعقد الشروط ، ومن لم يتمرن في هذا ، ولا أخذ نفسه بالتفقّد في كتب التوثيق ، لا ينبغي أن يكون قاضيا ، وإن كان قويا فائقا في سائر العلوم . آثاره لم يترك الأشعري من المؤلفات سوى كتاب واحد هو : التمهيد والبيان في فضل الشهيد