المنجي بوسنينة
41
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
في ملإ من الناس بجامع البصرة تراجعه عن مقولاتهم وخاصة مسألتي خلق القرآن وعدم رؤية الله بالأبصار . تذكر بعض الروايات أن هذا التحوّل جاء إثر رؤيا تكررت رأى فيها الرسول عليه السلام يوجهه إلى ضرورة الاقتداء بالسنة النبوية . ما يمكن أن تدل عليه هذه الرواية ، إذا تجاوزنا المماحكات المذهبية الضيقة وما تحرص عليه من إدانة لهذه الفرقة أو تلك ، هو ضرورة تنزيل هذا الحدث في سياق الخطاب العام العقدي للقرن الرابع الهجري . مثل هذا التوجّه يقف بنا على المنطق الذي حرّك جهد الأشعري وحدّده في لحظة التكوّن والتأسيس . هذا الفهم للحدث في بعده التاريخي يجعل من الإدانة الرسمية للاعتزال التي حصلت في عهد المتوكل العباسي سنة 234 ه / 848 م غير ذات جدوى ، إذ هي لم تفض إلى القضاء على هذا المذهب . إنّ في إعلان الأشعري الرجوع عن مذهب المعتزلة بعد انقضاء أكثر من ستين سنة على الإدانة السياسية لمذهبهم ما يرجّح ضعف أثر تلك الإدانة . لقد احتفظ الاعتزال بنفوذ فكري واجتماعي في حواضر هامة مثل الريّ وبغداد مما أتاح لهذا التيار الفكري إمكانيات مختلفة تصدّى بها لأهم الحركات المناهضة له ، ومما يؤكد ذلك هو أن « توبة » الأشعري عن الاعتزال لم تمنعه من الاحتفاظ بالبناء الحجاجي العقلي . ضمن هذا التوجه المقاوم لتطويق الاعتزال يتنزّل سعي الأشعري الذي يمكن أن يعتبر في جانب منه ردا على محاولات التضييق المختلفة ، إنه حلّ وسط يعتمد من جهة على الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية كما كان يفعل المتكلمون عموما والمعتزلة خصوصا ، ولا يجاهر من جهة أخرى بالقطع مع التوجه السلفي الذي يمثله المحدّثون عموما والحنابلة خصوصا . يساعدنا على هذا التفسير لمجاهرة الأشعري بمخالفة المعتزلة على توسيع الرؤية ومزيد إبراز السياق الذي تندرج فيه تلك المسألة . عندئذ تضمر هذه القضية ويفهم خطاب الأشعري ضمن حركة الأفكار وتفاعلها أي أن دلالتها تتحوّل إلى مستوى الفعل والانفعال بين المذاهب والفرق الإسلامية المختلفة فيما بينها من أجل مقاومة الخصم الأخطر أي الاتجاه الباطني وعقيدته الدينية وما تفضي إليه . بمثل هذا التشخيص يتحوّل مسعى الأشعري ليصبح نتاجا اقتضاه إدراك وجود النقيض الباطني وما يعنيه بالنسبة إلى عالم الوجود السياسي والفكري السنّيين . إذ أمكن لبعض خصوم الأشعري أن يتجاوز الحدود الضيقة للخلافات المذهبية مما أتاح له أن يتمثّل جانبا من جهد الأشعري التنظيري من أجل بناء علم لأصول الدين فإن العديد من الخصوم ظلّوا على مواقفهم ولم تقلل الأيام والسنون من عداوتهم . لا غرابة إذن أن واصل مثلا الحنابلة التقليديون رفضهم مسلك الأشعري باعتباره دفاعا عن السنة بطرق المتكلمين ، لذلك ظل هذا الحل الوسط مستبعدا فظل علم الكلام - في حياة الأشعري وبعدها - مدانا من قبل عموم المحدّثين . انتقل الأشعري في أواخر حياته إلى بغداد حيث توفي وبها دفن سنة 324 ه / 935 م . وتذكر الروايات أن بعض الحنابلة اعتدى على قبره ، وفي ذلك تأكيد على مدى إعراض