المنجي بوسنينة

136

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

وقد نقل الحفاظ والمتقدمون من أصحاب التراجم كالذهبي وابن الفرضي والقاضي عياض جملا من ثناء الجلة عليه وذكر فضله وعلمه ، ونتفا من فتاويه واختياراته . قال ابن حيان الأندلسي : « كان أبو محمد في حفظ الحديث ومعرفة الرجال والإتقان للنقل والبصر بالنقد والحفظ للأصول والحذق برأي أهل المدينة والقيام بمذهب المالكية ، والجدل فيه على أصول البغداديين ، فردا لا نظير له في زمانه ، بلغني من غير وجه أنّه وجد في كتب الدارقطني : حدثني أبو محمد الأصيلي ، ولم أر مثله » [ عياض ، ترتيب المدارك ، ج 7 ، ص 138 ] . وقال ابن الفرضي : كان عالما بالكلام والنظر منسوبا إلى معرفة الحديث جمع كتابا في اختلاف مالك والشافعي وأبي حنيفة سماه « الدلائل على أمهات المسائل » وقد حفظت عليه أشياء وقف عليها أصحابنا وعرفوها يعني فيما خالفه فيه أهل الحديث من العقود فذكرها [ تاريخ علماء الأندلس ، ج 1 ، ص 426 ] وقال ابن المهلب - وذكر مشيخته - فقال : فأجلهم علما وفهما وأثبتهم نقلا وأصحهم ضبطا وأرفعهم حالا ، وأعدلهم قولا ، أبو محمد الأصيلي ، وكان حين رجع من المشرق ولي قضاء سرقسطة ، وقام بالشورى بقرطبة ، حتى كان نظير ابن أبي زيد بالقيروان وعلى هديه إلا أنّه كان فيه ضجر شديد يخرجه أوقات الغيظ إلى غير صفته [ ابن فرحون ، الديباج ، ص 224 ] . ونقل عياض عن أبي الوليد : قال : لما دخلت القيروان ، أتيت أبا محمد بن أبي زيد ، فقال لي : حاجتك ؟ قلت : الأخذ عنك ، فقال لي : ألم يقدم عليكم الأصيلي ؟ قلت : بلى ، فقال لي : تركت - واللّه - العلم وراءك ، فكيف حاله مع أهل بلده ؟ فأخبرته بظلمهم له ، فقال : جهلوا ما أتى به . وأتيت القابسي ، فجرى معه مثل ذلك ، وقال مثل قوله ، وأحضره ابن أبي عامر في جملة الفقهاء فاستشارهم في أرض موقوفة على بعض كنائس أهل الذمة أراد شراءها ، فمنعه جماعة الفقهاء منه غير الأصيلي وحده ، فإنه أفتى فيه بجوازه ، واحتج لذلك فرجع ابن صاعد منهم إلى قوله . والأصيلي أيضا أفتى ابن أبي عامر بجواز الصلاة في العمارية التي كان يلزم الركوب فيها في أسفاره وأباحه ذلك في الفريضة دون النزول بالأرض إذ كانت صلاته إيماء للوهن الذي أصاب قدميه من علة « النّقرس » وهي إحدى روايتي ابن القاسم في المدونة التي هي أم المذهب ، ومنع ذلك حتى يباشر الأرض أرجح ، وكان يحث على ترك التقليد ، ويخطئ القول بنبوة مريم - أم عيسى عليها السلام - ويقول هي صدّيقة ، وكان ينكر الغلو في كرامات الأولياء ، ويثبت منها ما صح سنده ، أو كان بدعاء الصالحين . قال المهلب : وكان يعمل بالمزارعة على الثلث والربع ، ويرى بذلك ولا يقول بمنعها في المذهب ، ويقول : هي ألين مسائلنا وأضعفها ، وحجته حديث معاملة النبي صلى اللّه عليه وسلم أهل خيبر ، ذلك أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم عاملهم على أن يزرعوها ولهم شطر ما يخرج منها ، وكذلك ما حكي عن عمر وجماعة أهل المدينة [ عياض ، ترتيب المدارك ، ج 7 ، ص 141 ] . توفي سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة للهجرة ، وكان جمعه مشهودا وأوصى أن يكفن في