المنجي بوسنينة
127
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
وربما أذكى صراع التنافس على الريادة الخلاف بينه وبين أبي زيد صاحب الغريب والشعر واللغة ، وأبي عبيدة ، وقد برز في الأنساب والأخبار وأيام الناس . ولم يأت الأصمعي فعلا ، من دسائس القصر وما يعتري هذه الحياة من حسد وتنافس ونفاق أحيانا ، فانتهى عهده ببغداد بنهاية البرامكة . فما أن قتل جعفر ( 187 ه ) حتى اضطرّ إلى العودة إلى البصرة ، واستبدله الخليفة بغريمه أبي عبيدة بنصيحة من منافسه في بغداد إسحاق الموصلي ( 235 ه ) . وفي البصرة ، عاد لإلقاء الدروس في حلقته بمسجدها إلى أن أقعده الكبر . ومن علامات شهرته أنّ أغلب مصنّفي العرب يستقون منه ، كما أنّ له فضل جمع دواوين أغلب الشعراء التي وصلت إلينا إلى جانب مجموعته « الأصمعيات » [ دائرة المعارف ، 2 / 265 ] . ومن أبرز تلاميذه : أبو عبيد القاسم بن سلام ( 224 ه ) ، وأبو حاتم السجستاني ( 255 ه ) ، وأبو الفضل الرياشي ( 257 ه ) ، وأبو سعيد السكري ، وابن أخيه عبد الرحمان بن عبد الله ، وأحمد بن محمد اليزيدي ، ونصر علي الجهضمي ، ومحمد بن إسحاق الصاغاني . . [ دائرة المعارف ، 2 / 264 ؛ تاريخ بغداد ، 10 / 410 ] . لقد أمدّ اللغة بما دوّنه من كتب ، وما ضمّنه في ثناياها من غريب في مروياته الشعرية خاصة . وقد وجد فيها أصحاب المعاجم معينا مفيدا في معاجم الموضوعات وفي كتب الغريب أيضا . كما احتاج له النحاة في وضع القواعد وهو ما يستدعي رواية وثيقة . ويعرف عن الأصمعي أنّه راوية ثبت صدوق ، وهو في الرواية والأخبار أقوى من منافسيه [ الأفغاني ، 179 ] ، وعالم لغة يدرك ألفاظها ، وينسبها إلى هذه القبيلة أو تلك ، ويحتجّ لها بشعر أو رجز ، حتّى أنّه جمع أكثرها مبوبة في موضوعات . فكانت أعماله تلك خطوة إلى المعاجم التي حاولت حصر مفردات اللغة العربية على نمط وترتيب معيّنين ليرجع إليها الباحث . وهو ما نهض به الخليل في معجم « العين » . لكنّ الأصمعي كان إضافة إلى ذلك ذا حسّ دقيق بمعالم الجزيرة العربية وجغرافيتها وإدراكا لطبائع ساكنيها وهو ما أعانه على تذوّق الشعر وفهمه ونقده . ولنا في شهادات اللغويين أصدق دليل على ذلك : فقد قال فيه المبرّد ( 285 ه ) : « كان الأصمعي بحرا في اللغة ، لا يعرف مثله فيها وفي كثرة الرواية » [ إنباه الرواة ، 2 / 201 ] ؛ وقال عنه الأخفش : « ما رأينا أحدا أعلم بالشعر من الأصمعي وخلف ، والأصمعي أعلم لأنه نحويّ ، له نحو أربعين كتابا في اللغة » [ سزكين ، 1 / 456 ] ؛ وقال عنه الزبيدي ( 389 ه ) : « كان الأصمعي من أروى الناس للرجز ، فزعموا أنّه حفظ أربعة عشر ألف بيت ، فقيل له : هو بيت أو بيتان ؟ فقال : فيها المائة والمائتان » [ الزبيدي ، 169 ] ؛ وقال عنه الخطيب البغدادي : « كان متضلّعا في لغة البدو ولهجاتهم ، وكانت له يد غرّاء في اللغة لا يعرف فيها مثله ، وفي كثرة الرواية » [ تاريخ بغداد ، 10 / 414 ] . آثاره وعت ذاكرة الأصمعي جلّ فروع المعرفة في عصره . فكانت مؤلفاته الكثيرة انعكاسا لذلك ، وقد بلغ بها ابن النديم ثمانية وأربعين كتابا .