المنجي بوسنينة

117

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

في شتّى البقاع ، وقتلوا من وقع في أيديهم منهم . ومع أن أبا الفرج كان من بني أميّة فإنه اعتنق المذهب الشيعي ، ومن المحتمل أن تكون أسرته قد اعتنقت هذا المذهب فنشأ هو عليه . انتقل أبو الفرج من أصفهان إلى بغداد واستقر بها ، وهي يومئذ موئل العلماء والأدباء ، فأخذ عن خلق كثير منهم . وممن روى عنهم أخباره ، أبو بكر بن دريد ، وأبو بكر الأنباري ، وعلي بن سليمان الأخفش الأصغر ، وأبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي ، ومحمد بن خلف بن المرزبان ، وإبراهيم بن محمد المهلّبي المعروف بنفطويه . كان أبو الفرج يختلف في بغداد إلى دكاكين الوراقين ليطالع الكتب ، وكان حريصا على مجالسة الأدباء والعلماء ، وعلى غشيان مجالس الغناء والشراب . وإلى ذلك ، كان مكبّا على تصنيف الكتب في مختلف الفنون . وكانت له ، مع هذا كلّه ، هواية يمارسها هي البيطرة ومعالجة أمور الحيوان ؛ وكان تلاميذه يترددون عليه ويأخذون عنه العلم ويقرؤون عليه كتبه . وبسبب من تشيّعه وغشيانه مجالس الغناء والشراب نفرت منه طائفة من العلماء من مؤرخي أهل السنة ، ومن هؤلاء أبو الفرج بن الجوزي عبد الرحمن بن علي فقد طعن في كتابه « المنتظم في تاريخ الملوك والأمم » وتحامل عليه . اتصل أبو الفرج بالحسن بن محمد المهلّبي ( ت 352 ه ) قبل أن يستوزره معز الدولة البويهي ، وكان المهلّبي يومئذ يعاني العوز وضيق العيش . ثمّ اتّصل به بعد أن استوزره المعزّ ولازمه زهاء ثلاث عشرة سنة حتّى وفاة المهلّبي ، وكان الوزير يغدق العطاء على أبي الفرج وينادمه ويؤاكله مع ما عرف به أبو الفرج من قذارة في الملبس والمأكل ، وقد ذكروا أنه كان إذا لبس ثوبا لا يغسله ولا يخلعه حتّى يدركه البلى ؛ والأصفهاني ، في صفاته هذه ، يختلف كل الاختلاف عن الوزير المهلّبي الذي عرف بالمبالغة في التأنق في مأكله ، ومع ذلك فقد احتمل أبا الفرج وظلّت أسباب المودة معقودة بينهما ، تقديرا لأدبه وظرفه ، حتّى فرّق الموت بينهما . كانت لأبي الفرج ، إلى جانب صلاته بالمهلبي ، صلات وطيدة بوزراء العباسيين والبويهيين ، بل إنه كان متصلا بملوك بني أميّة بالأندلس ، وكانوا يطلبون إليه أحيانا تأليف الكتب ، فيؤلفها ويرسلها إليهم ، فيبعثون إليه بصلاتهم . وقد ورد في معجم الأدباء لياقوت أن أبا الفرج اتصل بركن الدولة البويهي وبوزيره ابن العميد ، فلما لم يجد عند ابن العميد ما كان يؤمله عاتبه بأبيات ، لكن هذا الخبر بعيد عن الصحّة ، فأبو الفرج الذي اتصل بابن العميد كان كاتبا اسمه حمد بن محمد ، وهو الذي وجه إليه أبيات العتاب . وتذكر بعض الأخبار أن أبا الفرج اتصل بسيف الدولة الحمداني وأهداه كتاب الأغاني ، فأعطاه ألف دينار ، ويبدو أن اتصاله بسيف الدولة كان عارضا ، ولعله وفد إليه وقدم له الكتاب ، ولكنه لم يستقرّ عنده . وقد بلغ الصاحب بن عباد الخبر فعلق عليه قائلا : « لقد قصّر سيف الدولة ، وإنه يستأهل أضعافها » .