المنجي بوسنينة

109

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

اعتمد الإصطخري صور الأقاليم للبلخي وحاذاه في تطوير مفهوم الإقليم من مناخ حسب نظرية بطليموس ، إلى وحدة جغرافية أي مجال أو بلد على حدة ، حسب التقليد الإيراني . لكنه لم يقيّد تمييز الإقليم بالسلطة السياسية التي يخضع لها بكيفيّة مطلقة مشيرا إلى إمكانية عدم تطابق الحدود الطبيعية والحدود السياسية . كما ركّز - مثل البلخي - على بلاد فارس بحكم انتمائهما . هذا وطوّر نظرة البلخي إلى الجغرافيا القائمة على إيلاء الخرائط موقعا أساسيّا ، بالإضافة إلى تطوير مناهج بلورتها ورسمها لجعلها صورا أقرب ما تكون إلى الواقع ، وبهذا التمشّي ، جعل من رسم الخريطة المعطى الأساسي في أي تأليف جغرافي . وقد جعل مصوراته عمادا للحديث وأصبح الكتاب تغلب عليه صفة الشرح للمصوّرات ، يرسم المصوّر ويشرح ما فيه معرّجا في النصّ على النواحي البشرية والاقتصادية ، وهذه الطريقة اتبعها فيما بعد ابن حوقل ولكنّه أضاف معلومات كثيرة على المصوّر نفسه . وقد اهتمّ كثيرا بالمسافات وهي من الأغراض الأساسية لتصنيفه واستخدم التلوين في صوره على أنّه لا يمكن التعويل على المصوّرات الموجودة في المخطوطات واعتبارها من عمل المؤلّف بل هي من عمل النساخين . وباعتماد الإصطخري عمل البلخي والأدبيّات الإدارية شكل الأطر الجديدة لعلم الجغرافيا بمحاولاته لتجزئة الوحدات الطبيعيّة إلى وحدات أصغر هي الكور ( ج كورة بالمعنى الأصلي أي الدائرة ) التي يتحدّد وجودها حول مدينة باعتبار أنّ هذه الأخيرة قاعدة جغرافيّة وإدارية لمنطقة صغرى . فجاء تحريره « لجذاذته » جافا في بعض الأحيان وقائما على محاور تهتمّ بموقع المنطقة ومسالكها ومدنها ممّا يجعل نصوصه تؤسس لجغرافيا بشريّة تهتمّ بأنشطة السكان إلى حدّ أنّ الإطار الطبيعي يصبح ثانويا وتكون الغاية من استعراضه تفسير تصرّفات البشر ، إلّا أنّ الإصطخري لم يكن صارما في ترتيب هذه العناصر بحكم عفويّته الرياديّة في ميدان جديد . وهذا الاضطراب سوف يتجاوزه المقدسي . وقد عدّ ميكال هذا التوجّه ثورة أدخلها الإصطخري على طريقة رسم خرائط صورة الأرض ليجعل من الإقليم مدار جغرافيا بشرية قوامها المدن ، بأسلوب لا مجال فيه للعجيب والغريب . وقد سار ابن حوقل في تقسيم العالم الإسلامي على نهج الإصطخري في عدد الأقاليم وإن كانت كفّة ابن حوقل أرجح لأنّه استفاد كثيرا من كتاب معاصره الإصطخري بعد أن أضاف ما حصّله في رحلاته المتعدّدة ( كما يقول الدكتور عبد العال الشامي في كتابه عن جهود الجغرافيين المسلمين في رسم الخرائط ) . وكان الإصطخري قدوة في كتب المسالك والممالك ، فقد تبيّن أخيرا أن ما كتبه ابن فضلان في رحلته الشهيرة إلى بلاد الخزر إنّما هو مأخوذ من كتاب الإصطخري ، ولقيت كتاباته أهمّية كبيرة عند العلماء الروس فيما ذكره عن بلاد الخزر ، وعند الأوروبيين فيما ذكره عن جزيرة صقلّية وجزيرة القلال ( يرجح أنّها جزيرة فريكسينيتم Fraxinetum التي احتلّها العرب 889 - 972 م ، كما يذكر ذلك المستشرق كراتشكوفسكي في تاريخ الأدب الجغرافي العربي )