المنجي بوسنينة

102

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

لقد كان قوام السنة مؤلفا مكثرا ، إلا أنه لم يؤلف معجما يضم شيوخه الذين أخذ عنهم وأجازوه ، مع أن هذه كانت سنة كثير من الفقهاء والمحدثين والأدباء حيث يذكرون أسماء شيوخهم وطبيعة العلوم التي أجيزوا فيها من قبلهم ، إضافة إلى تقييمهم لهؤلاء المشايخ . أما على صعيد تلاميذه الذين تخرجوا على يديه وأجازهم فقد كانوا كثرا ، وأصبح عدد منهم من أعلام القرنين الخامس والسادس ، وكان من أبرزهم الإمام الحافظ السمعاني ( ت 562 ه / 1166 م ) مؤلف كتابي الأنساب ، والتحبير وغيرهما من الكتب ، والذي بلغ من إجلاله لشيخه قوام السنة أن وصفه بأنه كان أستاذه في الحديث ، وأنه عنه أخذ هذا العلم ، كما أشاد بإمامته في التفسير والحديث واللغة والأدب ، فضلا عن علو كعبه في المتون والأسانيد . كما يشير الذهبي إلى أن من تلاميذه البارزين أبو موسى المديني الأصبهاني أحد حفاظ عصره ( 581 ه / 1185 م ) الذي وصف شيخه بأنه إمام أئمة وقته وأستاذ علماء عصره وقدوة أهل السنة في زمانه ، وأنه مجدد المائة الخامسة الذي أحيا الله به الدين ، فضلا عن الحافظ أبي طاهر السلفي الأصبهاني المحدث المشهور ( ت 576 ه / 1180 م ) ، والحافظ أبي القاسم علي بن الحسين بن عساكر محدث الشام ( ت 571 ه / 1175 م ) ، ومؤلف السفر الكبير تاريخ دمشق والذي بلغ ثمانين مجلدا ، وأبي سعد الصائغ محمد بن عبد الواحد الأصبهاني المحدث ( ت 581 ه / 1185 م ) ، كما أشير إلى تلميذ آخر نبغ من تلاميذ قوام السنة وهو منتجب الدين العجلي الفقيه الشافعي المشهور والواعظ الزاهد ( ت 600 ه / 1203 م ) [ ابن خلكان ، وفيات الأعيان ، 1 / 208 ] . مات قوام السنة في أصبهان ليلة عيد الأضحى سنة ( 535 ه / 1140 م ) بعد أن ابتلي بشلل نصفي ( الفالج ) فتحمله صابرا محتسبا ، وبعد أن تحمل من قبله فقد ابنه الشاب . آثاره ترك قوام السنة مؤلفات كثيرة في التفسير الذي برع فيه وأجاد ، فضلا عن مؤلفات في الحديث ، والفقه ، والعربية ، والأدب ، والتاريخ . ويشير الذهبي إلى أنه ألف أربعة كتب في التفسير ما بين كبير ، ومتوسط ، وصغير ، حيث كان تفسيره الكبير والمسمى « الجامع » يقع في ثلاثين مجلدا ، وهو يدل على جهد ضخم بذله المؤلف ؛ أما المتوسط ويسمى « المعتمد في التفسير » فيقع في عشرة مجلدات ؛ في حين كان يقع الصغير المسمى « الموضح في التفسير » في أربعة مجلدات ؛ أما تفسيره الرابع فكان باللغة الفارسية ويقع في عدة مجلدات ، ولا يعرف هل كان هذا التفسير الأخير مجرد ترجمة لأحد تفاسيره الثلاثة التي كتبت باللغة العربية ، أم أنه تفسير مستقل بذاته ، وأميل إلى ترجيح الاحتمال الأخير للإمكانيات العلمية العالية التي كان يتمتع بها قوام السنة . وبذلك تضعه هذه التفاسير في مصاف كبار المفسرين الذين عرفهم ديننا الحنيف من أمثال الطبري ، والرازي ، والقرطبي ، ولم يصلنا من هذه التفاسير شيء مع الأسف حالها حال مؤلفاته الأخرى ، ويعود ذلك على الأرجح إلى التدمير الواسع النطاق الذي أحدثه الغزو المغولي لمدن المشرق الإسلامي .