المنجي بوسنينة

74

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

كما كان الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ، عندما يتحدث عن شيخه إبراهيم بن حمد بن جاسر ، وهو أول من قرأ عليه ، يصفه بحفظه للحديث ، وورعه ومحبته للفقراء ومواساتهم ، وكثيرا ما يأتيه الفقير ، في اليوم الثاني ، فيخلع عليه أحد ثوبيه ، ويلبسه إياه ، مع حاجته إليه ، لقلة ذات يده . كما تتلمذ بواسطة المراسلة ، وعلى الكتب والمثابرة على المطالعة ، في تراث السلف الأقدمين ، إذ كان أعظم اشتغاله وانتفاعه بكتب شيخ الإسلام ابن تيميّة ، وتلميذه ابن القيم ، وحصل على علم غزير بسببها في علم الأصول ، والتوحيد ، والتفسير ، والفقه وغيرها من العلوم النافعة ، وعن استنارته بكتب الشيخين المذكورين ، صار لا يتقيّد بالمذهب الحنبليّ ، بل يرجّح ما ترجّح عنده بالدليل الشرعيّ ، ولا يطعن في علماء المذاهب كبعض المتهوّسين . كما يعتبر ابن بسام في كتابه « علماء نجد خلال ستة قرون » ، أن ابن سعدي لم يقتصر على الأخذ من شيوخه السالف ذكرهم ، ولا على قراءة كتب شيخ الإسلام ابن تيميّة ، وتلميذه ابن القيم ، التي فتقت ذهنه ، ووسّعت مداركه . فخرج عن طور التقليد ، إلى طور الاجتهاد ، بل كاتب علماء الأمصار ، ومفكري الآفاق في كل مكان ، بجديد المسائل ، وعويصات الأمور ، حتى صار لديه جرأة وجسارة على محاولة تطبيق بعض النّصوص الكريمة ، على بعض مخترعات هذا العصر وحوادثه ، وهذه من همته وعزيمته في اكتساب العلوم وتحصيلها . والشيخ عبد الرحمن بن سعدي ، الذي عاش يتيما قد هيأ الله من يعينه على الطريق الموصّل لبغيته من العلم ، عندما تفتّحت مواهبه للنهل من موارده المتاحة ، وقد تمثّلت فيه سيماء العلم : بالورع والصلاح والاهتمام بشعائر الدين ، والمحافظة عليها ، كما أبان ذلك الإمام الشافعي مع شيخه بقوله : شكوت إلى وكيع سوء حفظي * فأرشدني إلى ترك المعاصي وقال : أعلم بأن العلم نور * ونور الله لا يؤتاه عاصي ولذا نجد تلاميذه وعارفي مكانته يتحدثون عن مكانته العلمية . يقول تلميذه عبد الله بن بسّام في كتابه « علماء نجد خلال ستة قرون » ، عن مكانته بعد أن ذكر دأبه في تحصيل العلوم ، واكتساب المعارف : « كما وردت إليه الأسئلة العديدة ، من داخل البلاد وخارجها ، فأجاب عليها بالأجوبة السديدة ، وكان حاضر الجواب ، سريع الكتابة ، بديع التّحرير ، سديد الحث ، فلمّا بلغ أشدّه ونضج علمه ، ورسخ قدمه ، شرع في التأليف ، ففسر القرآن الكريم ، وبيّن أصول التفسير ، وشرح جوامع الكلم النبويّ ، ووضّح أنواع التوحيد وأقسامه ، وهذب مسائل الفقه ، وجمع أشتاتها ، وردّ على الملاحدة والزنادقة ، والمخالفين ، وبيّن محاسن الإسلام ، كل ذلك في كتب ورسائل طبعت ووزّعت ، ونفع الله بها ، وقد انقطع للعلم ، وجعل كل أوقاته مشغولة في تحصيله : حفظا وفهما ، ودراسة ومراجعة ، واستذكارا حتى أدرك في صباه ما لا يدركه غيره في زمن طويل » .