المنجي بوسنينة
360
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
الأخرس ، عبد الغفار بن عبد الواحد ( 1220 ه / 1805 م - 12391 ه / 1873 م ) ولد عبد الغفار الأخرس عبد الوهاب بن وهب ، في الموصل سنة 1220 ه ، وارتحل عنها إلى بغداد ، ونشأ فيها ، وارتفعت شهرته وذاع صيته ، فتناقل الناس أشعاره ، لقّب بالأخرس لحبسة كانت في لسانه ، حاول علاجها بشتّى الوسائل ، ولكنّها أعجزته فتركها ، ويروي بهذا الصدد ، أن الوالي داود باشا ، أرسله إلى الهند للمعالجة فقال له الطبيب : أنا أعالجك ، فربما أن تنجو وينطلق لسانك أو تموت ، فقال : « لا أبيع كلي ببعضي » ، وقفل راجعا إلى بغداد . وكانت للأخرس إقامة بالبصرة أيضا ، وقد توفّي يوم عرفة 1291 ه / 1873 م ودفن في الزبير بمقبرة الحسن البصري . لا شكّ أنّ أسفار الأخرس إلى عدّة مراكز ثقافية في العراق ، ورحلته إلى الهند ، قد أكسبته خبرة ودراية بالناس والأماكن ، وعزّزت موهبته الشعرية التي تأثرت بشكل أو بآخر بما شاهدت ولمست في هذه الأسفار التي كشفت عن تنوّع الحياة الاجتماعية والسياسية والطبيعية في نفس الوقت ، الأمر الذي كان لا بدّ من ظهوره في أشعاره . ومن المؤكّد أن هذه الأسفار قد منحت الأخرس ، القدرة على أن يغرّد خارج سرب شعراء عصره ، وألّا يقع في قبضة النمطية والترهّل الشعري ، بحيث يمكن أن نلتمس وبوضوح خصوصية التجربة التي انعكست في لغته وألفاظه وصوره وتكويناته في الجناس والطباق وشتّى أمور البديع ممّا كان يستقيه من المعرفة المتولّدة عن السفر والترحال ومعاينة عادات وأعراف وتقاليد المجتمعات المختلفة ، ولعلّ الأمر من أهمّ الأسباب التي جعلته يمتلك تميّزه وتفرّده قياسا بشعراء عصره الذين وقعوا في قبضة الجمود والنمطية وفقر وشحوب التجربة . وإذا كان شعراء المرحلة التاريخية التي عاش في ظلّها الأخرس ، قد غرقوا في مواضيع بعيدة عن الشعر ، مواضيع كانت قد وقعت في فخ شعر المناسبات والأمور الارتيادية التي لا تمتّ لجوهر الشعر بصلة ، فإن الأخرس ، قد استطاع أن ينوه بشعره من ذلك على العموم ، ولذا حاول أن يعلي من شأن الشعر ويعيد للكلمات كبريائها المهدور على يد شعراء عصره ، وقد وفّق في تحقيق هذا الهدف إلى حدّ بعيد ، ولعلّنا نبصر في شعره روح الفروسية والتوثّب وعنفوان الرجولة في عصر يفتقد الرجولة بالدرجة الأساس ، ونحن لا نعدم الشواهد الكثيرة ، على ذلك ، ولنأخذ نموذجا من قصيدة له في هذا الشأن : وما زلت قد شدّت يدي عقد مئزري * بعيد مناط الهم عف المآزر