المنجي بوسنينة
347
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
لبّه ومشاعره ، وعدّد منهنّ سبعا ، أبرزهنّ اثنتان ، هما فوز وظلوم . أما ظلوم فكانت على درجة مميّزة وموقع آسر في قلبه ، أولاها من شعره العديد من القصائد والمقطعات ، وأما فوز فقد أشكل الأمر فيها على البستاني ، وأنّ اسمها لم يكن سوى تغطية وتمويه لحقيقة أمرها الذي يترجح بين أن تكون امرأة حرّة من بني هاشم لم يجرؤ على ذكر اسمها الحقيقي مخافة وقوعه فيما لا تحمد عقباه ، أو تكون جارية رفيعة المقام . وما يؤكد ذلك - كما يقول البستاني في مقدمة ديوانه المطبوع في بيروت - ما جاء في قصيدة عينيه قوامها واحد وثلاثون بيتا : كتمت اسمها من صار عرضة * وحاذر أن يفشو قبيح التسمّع فسمّيتها فوزا ، ولو بحت باسمها * لسمّيت باسم هائل الذكر أشنع [ ديوانه ، ص 193 ] ولئن كانت جارية - يقول البستاني - « فهي ولا ريب من الجواري المقدّمات عند مواليهنّ ، الغالبات عليهم ، من اللواتي لهنّ جوار يخدمنهنّ » فأنعم بها امرأة أجرت في عروق الشعر دماء الإبداع الإنساني ، وأعلت من شأن المرأة لتكون شامخة في سماء التراث العربي ، لا محظية من محاظي السلطان جيء بها للخدمة والامتاع ! دأب النقاد الدارسون القدامى أن يلقوا بآرائهم وأحكامهم في آثار السلف ونتاجهم الأدبي ، بصورة مجتزأة ، أو آنية ، أو مزاجية ، أو تقديرية ذاتية . . وقلّة هي أو هم الذين بحثوا في العمق - فحلّلوا ورصدوا وخلصوا إلى نتائج موضوعية محكمة . . وسأعمد إلى طرح معظم ما قاله الدارسون القدماء على سبيل التمثّل والتأمّل النقدي الغابر ، تأسيسا لخلاصات أدبية يمكن اعتمادها والرجوع إليها في دراستنا لشعر العباس وحكمنا النقدي عليه . يتضمّن كتاب الأغاني القسم الأكبر من هذه الآراء والأحكام ، على الرغم من قصر المساحة التي أفردها لترجمة الشاعر وأخباره [ إحدى وعشرين صفحة : 8 / 352 - 372 . . ] وتلكم أبرز ما قاله في اتجاهه الشعري ، ومعانيه ، ولغته ، وسلوكه ، وطبيعة شعره : « كان للعباس مذهب حسن ، ولديباجة شعره رونق ، ولمعانيه عذوبة ولطف . وقدمه أبو العباس المبرّد ( ت 286 ه / 899 م ) في كتاب الروضة على نظرائه ، وأطنب في وصفه ، قال : كان العباس من الظرفاء ، ولم يكن من الخلعاء ، وكان غزلا ولم يكن فاسقا ، وكان ظاهر النعمة ملوكيّ المذهب ، شديد التترّف ، وذلك بيّن في شعره » [ الأغاني ، 8 / 352 - 353 ] . ثم يضيف أبو الفرج نقلا عن الرواة وما يسمعون : « كان والله ممّن إذا تكلّم لم يحب سامعه أن يسكت ، وكان فصيحا ظريفا جميل اللسان ، لو شئت أن تقول : كلامه كلّه شعر ، لقلت » [ الأغاني ، 8 / 352 ] . ونقل أبو الفرج كلاما في تفرّد العباس وشاعريّته ، وحذقه الفنّي ، وسعة أفكاره وتأمّلاته ، وهو منسوب إلى الجاحظ برواية ابن أخته : يموت بن المزرع ( ت 304 ه / 916 م ) :