المنجي بوسنينة

344

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

طريح الفراش يجود بنفسه ، وهو يقول : « يا بعيد الدار عن وطنه . . » [ البداية والنهاية ، 10 / 210 ] . والاضطراب باد في الرواية ، إذ لا يكون اغتراب عن الوطن ، وهو في منزله بين أهله ، إلّا أن يكون أهله في بغداد ، وهو يسكن وحيدا في البصرة ، وليس في سيرته ما يوحي بذلك . . . ألمحنا من قبل إلى أنّ العباس بن الأحنف قد وقف شعره كلّه على الغزل ، فيما عدا مقاطع وقصائد قصارا تضمّنت معاني متفرّقة في الفخر الذاتي ، ومدح الرشيد ، ورثاء بعض الجواري ممّن أكبرهنّ الرشيد وجعلهن في مراتب عالية بسبب حبّه وميله إليهنّ ، ومثل ذلك في هجاء يسير قاله في أبي الهذيل العلّاف ( ت 235 ه / 850 م ) أحد شيوخ المعتزلة . وفيما عدا ذلك ، فالعباس شاعر فريد من نوعه من حيث القصد والتوجه والغرض الشعري الرئيس الذي شغله في حياته واستولى على مداركه وأحاسيسه ، ألا وهو النسيب ، أحد فروع دوحة الغزل . . فهو ، كما قال الأصفهاني : شاعر غزل مطبوع ، لم يكن يتجاوز الغزل إلى مديح ولا هجاء ، ولا يتصرّف في شيء من هذه المعاني . . وكان قصده الغزل وشغله النسيب ، وكان حلوا غزير الفكر ، واسع الكلام ، كثير التصرّف في الغزل وحده . . . [ الأغاني ، 8 / 352 - 353 ] وقد اتّخذ النسيب عنده مناحي ومعارج ووجوها ومذاقات تكاد كل قصيدة ، وكل مقطّعة تشي بواحد من هذه المعارج والمذاقات . . أقتطف منها هذه الأبيات المتفرّقة . في ديمومة الحب وقوة حضوره : أخفي الهوى وهو لا يخفى على أحد * إني لمستتر في غير مستتر يا من تمادى قلبه في الهوى * سال بك السيل ولا تدري ( . . . ) إنّ الذي أظهر عند الذي * أضمر كالنقطة في البحر ( . . . ) طعم ثناياها بعيد الكرى * أخبره منها بلا خبر تلك التي لو ذقت من ريقها ، * ما ذقت سقما آخر الدهر في حرمان العاشق واحتراقه : أربعة أبيات في السهر الدائم وسقم العينين ، وحرمان العاشق معشوقه بسبب مقولة فيه ، واحتراقه ببطء كفتيل السراج : صرت كأنّي ذبالة نصبت * تضيء للناس وهي تحترق [ ديوانه ، ص 221 ] في هتك الدموع لحقيقة اللواعج ( من قصيدة من خمسة عشر بيتا ) هبوني أغضّ إذا ما بدت * وأملك طرفي فلا أنظر فكيف استتاري إذا ما الدموع * نطقن فبحن بما أضمر وفيها شكواه من تهيّب محبوبه لذيوع اسمه